في الحوار والوحدة> الحوار في الإسلام  

الحوار في الإسلام

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

للحوار في الإسلام معنى الإيمان في حركيته في انتماء الذات، فلا إيمان، في عمق الفكر وامتداده، من دون حوار، حتّى كأنّ الإسلام كله حركة حوار.

الحوار الذاتي:

يبدأ الحوار، بعيداً عن المصطلح، في حديث الإنسان مع ذاته، في حركة الفكر الداخلية حين يدور الجدال بين احتمال واحتمال، وفكرة وفكرة، وظاهرة ودلالة في نطاق السلب هنا، والإيجاب هناك وذلك هو دوره في صنع العقيدة عند الشخص المنتمي. وربما يتحرك الحوار الداخلي في عملية الالتزام، والاستقامة في الخط والواقع، عندما يدور التجاذب بين منطق العقل ومنطق العاطفة، ونقاط الضعف ونقاط القوة.

وذلك هو دوره في تركيز الشخصية الملتزمة المستقيمة.

وفي كلتا الدائرتين، تكون المهمة الحوارية، الوصول إلى وحدة الإنسان في التزاماته الذاتية، فلا يبقى في الازدواجية التي تجعل منه إنساناً يتحرك بين الشيء ونقيضه في عملية اهتزاز فكريّ وحسّيٍ وعاطفي، لأن التعددية المتحركة في الذات لا تمنح الإنسان الطمأنينة والاستقرار.

إن الأساس، في هذا كله، هو أن الإيمان حركةٌ في العقل، وليس فوقه، فالإنسان يؤمن بما يعقل، ولذلك عندما يخوض تجربة الشك لا بد أن ينتهي من خلالها إلى اليقين، في الرحلة الطويلة التي تتجاذبه فيها الاهتزازات من خلال الاحتمالات المتناقضة، أو الاتجاهات المتعارضة، ليناقشها في وجدانه الفكري بكل موضوعيةٍ وانفتاحٍ ليعرف الحق من الباطل، وينتقل من الجهل إلى العلم.

القرآن يدعو للحوار الذاتي

ولذلك كان القرآن دعوةً إلى الحوار الداخلي من خلال دعوته إلى التفكير الذاتي المنفتح على ظاهر الكون والإنسان والحياة كلها من أجل الوصول إلى النتائج الحاسمة فنقرأ قوله تعالى:

(ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً) [آل عمران:191] (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى )[الروم:8] فنلتقي بالتفكير في الظاهرة الكونية التي تثير القناعة بأن هناك أسراراً في داخلها تتصل بحركة النظام الكوني كله على أساس قانون السببية الذي يربط بين الظاهرة ومدلولها ومؤثراتها.

ثم نقرأ قوله تعالى: «في الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون» [الذاريات:20-21]

فنلاحظ أن المطلوب هو إثارة التفكير في امتداد الأرض، وفي داخل النفس فيما يتمثل فيها من الآيات الدالة على وجود الله من حيث طبيعة الأسرار الكامنة في مفرداتها الموحية بالخلفية الغيبيّة في نوعية القدرة والحكمة والدّقة والامتداد.

وقد لا نحتاج إلى المزيد من الشواهد القرآنية، لأن القراءة الواعية للقرآن تجعل الإنسان يلتقي بعشرات الآيات التي تتحدث عن العقل والعلم والفكر والملاحظة في الاستقراء المتحرك في الماضي والحاضر في حركة التاريخ والواقع، من أجل الوصول إلى الحق الحاسم باعتبار أن ذلك هو الذي يؤكد الحجة للإنسان في تأييد فكرةٍ ورفض أخرى، بينما يؤكد أن الشك والظن والوهم، واتّباع الهوى، وتقليد الآباء والأجداد لا يصل بالإنسان إلى القناعة الحقيقية، ولذلك فإنّ القرآن يتحدّث عن الناس الذين ينحرفون عن التوحيد الإلهّي بأنهم لا يعلمون، وأنهم يتبعون الظن والتخمين من دون أن يملكوا وضوح الرؤية للأشياء.

ويلاحظ علماء الكلام أن العقيدة لا تخضع للتقليد، بل يجب أن تنطلق من فكر اجتهادي، ينطلق بالإيمان من موقع التفكير في مفرداته بالدرجة التي يحصل فيها الإنسان على القناعة الوجدانية في علاقة الفكرة بالدليل، فلا يُعذر المقلّد في العقيدة، في حال الخطأ، كما يُعذر المقلِّد في تفاصيل الشريعة، إذا أخطأ مجتهده في الاجتهاد.

الحوار مع الآخر

وإذا كان الإسلام يشدد على الحوار الذاتي، على أساس أن يكون العقل قاعدة الإيمان، من حيث هو الذي يحدّد الحجة ويقيم البرهان، فإن من الطبيعي أن يشدد على الحوار مع الإنسان الآخر الذي يحمل الفكر المضادّ باعتبار أن ذلك يمثل التفكير بصوت مسموع.

وهذا هو الذي طرحه الأنبياء في دعوتهم الرسالية للحوار الفردي والجماعي من أجل أن يدخل الناس معهم في مناقشةٍٍ جدية لما يطرحونه من أفكار، ولكن الآخرين كانوا يواجهونهم بالسباب والأفكار المسبقة لما يظنّون من تعارض فكرة النبوة مع طبيعة البشرية وبالاضطهاد المتنوع الذي يصل إلى حد القتل.

الحوار والمقدسات

ولم تكن هناك موضوعات محدّدة في الحوار، بل كانت المسألة هي أن كل شيء قابل للحوار حتى وجود الله، ورسالة النبي وشخصيته، والإيمان باليوم الآخر، وغير ذلك من القضايا التي تمثل الموقع الأساس في العقيدة مما أثار القرآن الحديث عنه في الحوار حولها. وليس هناك أشخاص ممنوعون من الحوار، فقد لاحظنا أن الله حدّثنا عن حواره مع إبليس، كما حدثنا عن حوار الملائكة معه في مسألة خلق الإنسان في الأرض، وتساؤلهم عن الفائدة في ذلك إذا كان يفسد فيها ويسفك الدماء، مما يجعلنا نفكر بأن الإسلام لا يعتبر أيّ شخص يرتفع من خلال موقعه عن الحوار، فللناس حق المعرفة، وللمعرفة شروطها التي تنفتح على أكثر من احتمال، وعلى الذين يملكون عناصر المعرفة أن يقدّموا للناس كل ما لديهم من العلم في سبيل الوصول بهم إلى الحقيقة الحاسمة، وأن يتابعوا معهم كل علامات الإستفهام في المبدأ وفي التفاصيل، من أجل الإجابة عليها بدقةٍ وموضوعية ليحققوا لهم أسس القناعة، أو ليقيموا عليهم الحجة، وقد هدّد القرآن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزله الله من البينات، باللعنة الإلهية التي تلتقي مع لعنة الناس الذين يحتاجون إلى هذا العلم الذي كتموه عنهم.

الحوار والحرية

وإذا كان الإسلام يؤكد الحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة بطريقة علمية موضوعية، فلا بدّ له من حماية حرية المحاور في طرح كل فكر مضادّ بطريقته الخاصة، حتى لو كان على خلاف العقيدة العامة للناس، فليس لأحدٍ أن يقابله بعناصر الإثارة الإنفعالية في إطلاق كلمات الكفر والضلال والخروج عن الدين وما إلى ذلك من الكلمات المثيرة التي تدفع إلى الغوغاء والإساءة للفكر.

إن الحوار يرتكز على الحرية الفكرية في الساحة الحوارية، لأن الإنسان الذي لا يملك حريته في طرح ما يريد من سؤال أو اعتراضٍ أو مناقشة، لا يستطيع الوصول إلى الحق إذا لم يجد الفرصة للإجابة على سؤاله، ومناقشة وجهه نظره.

ثقافة الحوار

ولذلك فإن الإسلام يتقبل أيّ موضوع، ولكنه يضع شرطاً مهماً، وهو أن يكون المحاور مثقفاً بالفكرة التي يخوض حولها من موقع الفكر المضاد، أو منفتحاً على آفاق المعرفة في ما يريد أن يسأل عنه، وهذا مضمون الآية الكريمة: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّونَ فيما ليس لكم به علم) [آل عمران :66].

وقوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إنْ في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) [غافر:56].

فنحن نلاحظ أنّ القضية التي أثارها القرآن أمام هؤلاء أنهم لا يملكون العلم ولا سلطان الحجة فيما يجادلون به، وهذا ما يجعل من طريقتهم في الحديث طريقة انفعالية ناشئة من عقدة الكبر الكامنة في نفوسهم، الأمر الذي لا يحقق للحوار أية نتيجة حاسمة.

وإذا حاولنا الاقتراب من المنهج الإسلامي الحواري، فإننا نجد تأكيداً على ضرورة انسجام المضمون مع واقعية الفكرة الحق، ليكون المحاور أميناً على الإلتزام بالحقيقة في حركة الحوار حتى لا يتحوّل الأمر إلى ما يشبه اللعب بالألفاظ، أو بالقفز على المشاعر، أو بتسجيل النقاط على الآخر من باب الإلتزام بموقف لا يمثل الحق، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بالجدال بالباطل في الحديث عن أسلوب خصومه العقيديين في قوله تعالى: (ويجادل الذين كفروا ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً) [الكهف: 56].

وفي قوله تعالى في بعض أساليب اليهود، عند حديثه عن أهل الكتاب: (وإنّ منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)[آل عمران: 78].

فقد نلاحظ أن المسألة المطروحة، هي أن القوم لا يخوضون معركة البحث عن الحقيقة، بل يتحركون في معركة الغلبة للموقف؛ أيَّا كان المضمون، في صدقه أو كذبه، أو حقّه أو باطله، وهذا ما يجعل من القضية قضية قتالٍ بالكلمة لا حوارٍ بالفكرة، أو جدالٍ للحق، الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من العبث والضياع.

الجدال بالباطل

وربما يتصور البعض أن القرآن يرفض هذا الأسلوب من قِبَل خصومه ولكنه لا يرفضه في صراعه مع الآخرين عندما يدير الحوار معهم لمصلحة ما يعتقد أنه الحق، فقد يبرر ذلك لنفسه، بأن يستخدم الباطل لإلزام خصومه بالحق من خلال الضغط عليهم بذلك مما لا يرضاه لهم في الموقف المضاد له.

ولكننا نستوحي من الآية، أنها تؤكد على عنوان الجدال بالباطل كعنوان مرفوض في الصراع، فإن الإستنكار على هؤلاء بما يجادلون به من الباطل يخضع للفكرة التي تلزم الإنسان المؤمن أن يرفض الباطل جملةً وتفصيلاً في أي موقع من مواقعه، سواءً في حالة الصراع لإضعاف الحق بالباطل، أو في حالة الصراع بالباطل في جانب وإقرار باطل مثله في جانب آخر، لأن القضية في كلتا الحالتين تقف في موقع واحدٍ، وهو موقع إقرار الباطل والاعتراف بشرعيته من دون فرق بين نتائجه سواء أكانت إلى جانب الحق أم إلى جانب الباطل.

هذا هو ما تحدث به الإمام جعفر الصادق (ع) مع أحد أصحابه الذي كان يدير الجدل مع شخص آخر مخالفٍ له في المذهب، في حضرة الإمام (ع)، وذلك بقوله: «لا تمزج الحق بالباطل وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل».

وتحدث الإمام في حديث آخر عن الفرق بين الجدال بالتي هي أحسن والجدال بغير التي هي أحسن: «أما الجدال بغير التي هي أحسن، فأن تجادل مبطلاً فيورد عليك باطلاً فلا تردّه بحجة قد نصبها الله، ولكن تجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف تتخلص منه، فلذلك حرام على شيعتنا أن يصير فتنة على ضعفاء إخوانه وعلى المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في ما يده حجة على باطله. وأمّا الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف الحق في يد الباطل».

ولذلك فإن الإسلام يرفض الأساليب الجدلية التي تبتعد عن الحق وتعتمد على التلاعب بالحقائق، في محاولةٍ لإخفاء ضعف المجادل عن ممارسة الموقف القوي ضد الباطل.

الحوار بين العنف واللين

لقد لاحظ الإسلام، من خلال القرآن الكريم، أن هناك طريقتين للحوار الفكري، أو للصراع في جميع مجالاته، فهناك طريقة العنف التي تعتمد مواجهة الخصم بأشد الكلمات وأقساها، بحيث يتركز الإختيار على كل ما يساهم في إيلامه وإهانته وإهدار كرامته، فلا مجال لمراعاة مشاعره وعواطفه، ودراسة واقع حياته، والإحاطة بظروفه من أجل المحافظة على الإنسجام معها، بل الأمر ربما يكون، على العكس من ذلك، تحدياُ للمشاعر في كل المجالات.

وقد لا نحتاج إلى التأكيد، بأن مثل هذه الطريقة لا تنتج إلا مزيداً من الحقد والعداوة والبغضاء، والبعد عن كل الأجواء التي تقرّب الأفكار وتساهم في الوصول بالصراع إلى نتيجة طيبة.

وهناك طريقة اللاعنف، أو الطريقة السلمية التي تعتمد اللين والمحبة أساساً للصراع، انطلاقاً من القاعدة الإسلامية التي تعتبر موضوع الصراع، بمختلف مستوياته ومجالاته، وسيلة من وسائل الحركة المنفتحة للوصول إلى الهدف والانسجام معه، ولا بدّ لهذا الخط من الإلتقاء بكل الكلمات والأساليب الطيبة المرنة التي تفتح القلوب على الحق، وتقرّب الأفكار إلى مفاهيمه وأحكامه، بعيداً عن كل المعاني الشرّيرة والسلبيّات القاسية.

وقد ركّز الإسلام على هذه الطريقة في كل أساليب الحوار والجدال من أجل الوصول إلى المعرفة من جهة، أو إلى الموقف الحق من جهة أخرى، وأطلق على ذلك كله «التي هي أحسن» فهو الطابع الذي يطبع كل وسائل الحوار وأساليبه.

قال تعال: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السّيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليّ حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) [فصلت:33-35].

والمقصود بالحسنة الأسلوب السلمي، وبالسيئة الأسلوب العنيف.

ونلاحظ أن القرآن الكريم حين يختار لنا أسلوب اللاعنف، فإنه يشير إلى النتائج الإيجابية لهذا الأسلوب، وهو أن تحوّل أعداءك إلى أصدقاء يفكرون معك فيما تفكر فيه أو تعمل له، ثم يعقب على ذلك بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر وإلى حظ عظيم من الوعي الإيماني والإنفتاح على الواقع، لأن ذلك يخضع لقوة الأعصاب، ومرونة الشخصية في مواجهتها لتحديات الخصومة، ومشاكل الصراع.

وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في آيتين أخريين تتعلقان بالدعوة والحوار بشكل مباشر وهما:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) [النحل: 125].

(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمناً بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) [العنكبوت: 46].

ولن نحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ لنعرف أن الجدال بالتي هي أحسن يتمثّل في اتبّاع أفضل الأساليب وأحسنها في إقناع الخصم بالفكرة التي يدور حولها الحوار، بحيث يبقى الداعية في ملاحقة جادةٍ واعية بكل الأساليب المطروحة المعروفة وغير المعروفة ليختار منها الأسلوب الأحسن، سواء في ذلك الكلمات التي يستخدمها، أو المعاني التي يعبّر عنها.

ولعل النموذّج الذي طرحه القرآن الكريم في الآية الأخيرة هو المثل الحيّ على الفكرة، فقد بدأت الآية الكريمة بالحوار مع أهل الكتاب بالطريقة التي تركّز على مواطن اللقاء من خلال رسالتنا وفكرنا. فنحن لا نتنكر لما يؤمنون به من كتاب، وما يعتقدونه من رسالة، فإن القيمة الكبرى للإسلام هي أنه ينطلق من الإيمان بكل الرسالات السماوية، والتصديق بجميع الأنبياء، والشعور المشترك، منا ومنهم، بالعبودية لله سبحانه وتعالى وحده والتسليم، له ولرسالته، وعلى هذا الأساس يبدأ الحوار من قاعدة مشتركة توحي بإمكانية اللقاء في القضايا الأخرى.

المنهج الإسلامي للحوار

إن القيمة في المنهج الإسلامي للحوار، تتجلّى في ابتعاده عن الذاتية في المضمون الفكري ابتعاداً كلياً، على خلاف القاعدة المتبعة في المنهج العلمي للحوار، التي تؤكد الجانب الذاتي في الالتزام بالفكرة، مع إعطاء موقع احتمالي للإنفتاح على الفكر الآخر.

حيث إن المنهج المعروف في العالم يتلخص في هذه الكلمة «رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

وفي هذا المنهج السائد تأكيد على النسبة الكبرى لصوابية الفكرة المتبناة مع نسبة احتماليةٍ ضئيلة لصوابية الفكرة الأخرى، ليكون احتمال الخطأ في فكرنا ضعيفاً وقوياً في الفكر الآخر.

أمّا المنهج القرآني فيتلخص في الآية الكريمة في قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعل هدىً أو في ضلال مبين) [سبأ: 24].

فإننا نلاحظ أن المحاور لم يطرح صوابية فكره وخطأ الفكر الآخر على أساس القناعة القوية، بل طرح المسألة على أساس وجود فكرة مطروحة في الساحة يتساوى فيها احتمال الخطأ والصواب في طبيعتها الواقعية، كما تتساوى صفة الهدى والضلال في التزام هذا بالفكرة إيجاباً من هذا الجانب أو سلباً من الجانب الآخر. فليست هناك حالة شعورية في حركة أجواء الحوار، بل هناك حالة موضوعية تلاحق عناصرها ومفرداتها في موقف حيادي يلاحق الحقيقة أينما كانت من دون تعقيد أو تهويل...

وربما كانت قيمة هذا الأسلوب العملي، أنه يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبّقة التي قد تحوّل الموقف إلى عقدةٍ تفرض نفسها على كل مواطن الحوار، وتشكل حاجزاً يمنع الأطراف من الشعور بحرّية الحركة فيما يقبلون وفيما يرفضون، ويتمثل ذلك، في اعتبار الشك في الفكرة موقفاً مشتركاً بين الطرفين بحيث يوحي لكلٍّ منهما بضرورة إعادة النظر في القضية، ومحاولة مواجهتها من جديد، كما لم يواجهها من قبل، فليس هناك حكم سابق من أيٍّ من الطرفين على خصمه بالهدى والضلال، بل هو الموقف المشترك الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة من خلال الحوار الإيجابي القائم على الوعي والشعور العميق بالحاجة إلى الوقوف مع خط الإيمان أيّاً كانت النتائج.

وهناك وجه آخر في هذا الأسلوب ويتمثل في مخاطبة الخصم بالقناعات الفكرية، من خلال عناصر البرهان الذي يملكه في الاحتجاج عليه، ولكنه لا يجعل من هذه القناعات سدّاً منيعاً يغلق على الموقف أبواب التحرك مع قناعات الآخرين، بل يترك الباب مفتوحاً للفكر الآخر على أساس ما يملكه من أدلة الفكرة التي يؤمن بها ليثبت أنها أفضل وأهدى سبيلاً.

ولعل وجه القيمة، في هذا الأسلوب، أنه يجرد الموقف من حالات التعصّب والتزمّت التي تحجّر الفكرة، فلا يُسمح لها بالتحرك مطلقاً في حين هو تمتع الأفكار بقدرة التحرك، لتنتج موقفاً إيمانياً واضحاً قوياً يتحدى ويقبل التحدي، بحيث يكون جاهزاً لذلك، في كل وقت، كلما برزت هناك حاجة جديدة للصراع، أو كلما استطاع الخصم أن يحصل على دليل جديد للفكرة المضادة، وهذا هو الذي توضحه لنا الآية الكريمة: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين) [القصص:49].

فالقضية كل القضية هي أن هناك هدىً يجب أن يتبع في الطريق أو في الغاية، وقد كان إيماننا ومسيرتنا في خط هذا الإيمان، على أساس قناعتنا بأنه الهدى، وأنّ غيره ضلال وانحراف، فإذا كان لديكم طريق أفضل، أو كتاب أهدى فدلونا عليه لنتبعه، لأننا لا نخضع لعقدةٍ ذاتيةٍ في هذا المجال.

إننا نحب إثارة هذا الحديث، حول الحوار في الإسلام، الذي قد يجد الأخوة كثيراً من تفاصيله في كتابنا الحوار في القرآن، من أجل تذكير الإسلاميين، أن الأساليب الانفصالية ليست من الإسلام في حواره مع الآخرين، وتذكير غير الإسلاميين بأن الإسلام ليس ديناً يتحرك في الأجواء البعيدة عن حركة العقل، وروحية العلم، وأساليب الحوار السلمي.

وفي ضوء ذلك فإن العنف ليس هو سبيل الإسلاميين في مواجهة الفكر الآخر، أو الإتجاه الآخر، أو الواقع الآخر، ولكنهم ينطلقون من الموضوعية والعقلانية والجدال بالكلمة الأحسن والأسلوب الأفضل، والجوّ الأهدأ، في المسألة الثقافية والاجتماعية والسياسية وغير ذلك.

وذلك في الحالات التي تكون الساحة فيها ساحة حوار وحركة في الطريق إلى الحقيقة.

أما عندما تكون الساحة ساحة عنف وإلغاء وتهميش واتهامات وتشويه وكلمات غير مسؤولة، فإن من حق الإسلاميين، أن يبحثوا عن الأسلوب المناسب الذي يدافعون به عن أنفسهم، ليكون العنف لمن يفرض عليك العنف بوسائله المتنوعة وليكون الرفق هو الأصل والقاعدة في حركة الفكر والواقع في الحياة كلها ومع الإنسان كله.

المنطلق، العدد98، رجب 1413 هـ/ ك 2 -يناير 1993 م.