|
| هل نحن جادون في العمل للوحدة ؟ * |
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
قد يبدأ الإسلام في عقولنا قضيّةً، ولكنّه ينتهي إلى ذات، ذات الشّخص، أو ذات الجمعيّة، أو ذات الحزب، أو الحركة، أو الطّائفة، بحيث تكون المسألة كيف تسلم الذّات لأنها تختصر الإسلام في داخلها، وكيف يسلم الحزب أو الحركة أو المنظّمة لأنها تختصر الإسلام في داخلها.
لذلك علينا أن نجعل الإسلام خارج نطاق الذّات الشّخصيّة والجماعيّة، ولتبقَ الذّات هي التي تحمي الإسلام، لأنّ المسألة مسألة أخلاقيّة في معنى القيمة، وليست مسألةً إسلاميّة فحسب. فعلى الإنسان أن ينتقد نفسه، تماماً كما قال ذلك الشاعر الشّيخ محمد رضا الشيبـي:
كلّنا يطلب ما ليس له كلّنا يطلب ذا حتى أنا
لذلك، قبل أن نتحدّث عن الوحدة، علينا أن نسأل: كيف يتمثّل الإسلام فينا؟ هل نحن ننفتح على الإسلام في رحابته؟ كيف ينفتح على الإسلام من يعمل على تدمير مسلمين آخرين، بحجّة أنّه يختلف معهم في قضيّة كلاميّة أو فقهيّة؟! كيف يمكن أن يكون لنا إسلام يحمي الوحدة، ونحن قد ورثنا هذا التمزّق وهذه الأنانيّة الذّاتيّة من المذاهب الفقهيّة والكلاميّة المتناحرة، ثم ورّثناها إلى الحركات الإسلاميّة؟!
فيما المطلوب منك ـ أيّها المسلم ـ أن تكون حركيّاً تعمل من أجل أسلمه العالم، أن يكون الإسلام أفقك تماماً كما هو العالم أفقك، إذ ليس من مصلحة الإسلام في شيءٍ أن تظلّ تعيش من أجل أن تكون حركتك الإسلاميّة هي الحركة الوحيدة، وتدفع الآخرين إلى أن يبتعدوا عن السّاحة، فتعقّدهم وتحاصرهم وتخرِّب خططهم، علماً أنّك لا تستطيع أن تملك السّاحة، وهو ما يؤدّي إلى إسقاط الإسلام والسّاحة.
وفي مسألة الإسلام لا بدّ لنا من أن نكون واقعيّين، وأن نعيش السّياسة على أساس الواقع لا على أساس المثال الخياليّ، ولكن ليس معنى أن تكون واقعيّاً، أن تخضع للأمر الواقع، وأن تجعل مسألة الصّدق استثناءً في سياستك، فتُشرّع الكذب بالعنوان الثانويّ وغيره، ولتكون هذه هي القاعدة، لأنّ هناك مصلحةً تفرض كذباً هنا وهناك.
هل نملك أن نتصارح فيما بيننا؟ هل يفتح أحدنا قلبه للآخر في ما يتحسّسه معه؟ أنا أشكّ في أنّ السّاحة تقبل الصّراحة، وهذه حقيقة نعيشها، لا فيما هو بين المسلمين على مستوى التنوّع المذهبيّ، أو على أساس التنوّع الحركيّ، بل على مستوى كلّ حركةٍ في داخلها، وكلّ مذهبٍ في داخله. إنّ الله سبحانه وتعالى أراد لنا أن نجادل أهل الكتاب بالّتي هي أحسن، فهل يستطيع أحدٌ في هذا المذهب أو ذاك المذهب، أو في هذه الحركة أو في تلك الحركة، أن يجادل الّذين معه بالّتي هي أحسن؟ هل نقبل ذلك؟ هل هناك حريّة في داخل المذهب لأتباع المذهب ليصحّحوا ما يفسد هنا ويفسد هناك؟ هل هناك حريّة في داخل الحركات الإسلاميّة لتنقد القاعدة القمّة أو لتنقد القمّة بعضها بعضاً؟
إنّنا نأخذ على بعض النّاس أنهم يكفّرون مذهباً في أحد المواقع، فيما نحن نمارس الفعل نفسه في موقعٍ آخر، حتى أصبحت مسألة التّكفير والتّزندق والانحراف أسلوبنا الغوغائيّ الذي نستعمله في السّاحة.
مَنِ الذي يقف أمام قوله تعالى عندما ندير علاقتنا ببعضنا بعضاً: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[الإسراء:36]؟ مَنِ الذي يراقب ربّه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات:6]؟
وعندما نأتي إلى الإلتزام، نجد أنّ هناك فرقٌ بين الالتزام والتعصّب، نحن لا نماري الالتزام، فهو الّذي يربطك بالفكرة ويحرّكك في خطّها وينفتح بك على أهدافه. أمّا نحن، فننتمي إلى أهل العصبيّة التي حدّدها الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين(ع) بقوله: «العصبيّة التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرّجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبيّة أن يحبّ الرجل قومه، ولكن من العصبيّة أن يعين الرجل قومه على الظّلم». ألا نعين قومنا على الظّلم؟ أيّ محازبٍ، أيّ مذهبيّ، إذا رأى فرداً من مذهبه أو من حزبه أو من حركته يصطدم مع إنسانٍ آخر، حتى لو كان الحقّ مع ذاك والباطل مع صاحبه، ألا يدعمه ويؤيّده؟ هل هناك أخلاقيّة تجعلنا نقف مع ذاك ضدّ صاحبنا؟
لذلك علينا أن نفكّر: هل نحن إسلاميّون بحيث يعني الإسلام لنا شيئاً؟ لماذا يقبل الكفر الآخر بكلّ تنوّعاته السياسيّة والفكريّة، ونحن لا نقبل الآخر حتى ولو كان مسلماً؟ إنّ الإسلام قبل الآخر غير المسلم {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران:64]، اعترف بوجوده وتعايش معه ونظّم العلاقات الموضوعيّة الإنسانيّة معه، سواء كانت علاقات معاهدة أو ذمّة أو ما إلى ذلك، ولكنّنا لا نعترف بالآخر.
الأحزاب في الغرب يعترف بعضها ببعض، وربما أيّد هذا الحزب مشروعاً يطرحه الحزب الآخر، لأنّ المسألة عندهم هي مسألة مصلحة أوطانهم وليست مسألة التعصّب لأحزابهم. لقد تجاوزا العصبيّة، وانفتحوا على الموضوعيّة، ولذلك استطاعوا أن يتحاوروا في الهواء الطّلق، أصبح أحدهم لا يخاف على فكره من أن يناقشه الآخر حتى في أصوله، لأنّ هناك نوعاً من أنواع الإيمان ـ بطريقةٍ أو بأخرى على طريقتهم الخاصّة ـ بالحقيقة الموضوعيّة التي يعيشونها.
* من محاضرة له - أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة
|