أدب الإسلام والحياة  > في رحاب الفضاء

في رحاب الفضاء

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

يـا صفـاء السـماء، يـا زرقـة الصحـو، أمـام المجاهـل البيضـاء
ضُـمَّني في بـحيـرة الـنـور، إني سـابـحٌ فـي بحـيـرةٍ من دمـاء
الخـطايـا فـي عـمق حسِّـي تنسـاب بـزهـوٍ كحـيَّـةٍ رقطـاء
والنجـاوى في خاطـري عَتَمـاتُ الفجر في خـطوة الغـريب النـائي
والأمـاني في جـانـحيَّ حكـايا النـور للّيـل عن ربيـع الضـيـاء
وغـدُ السـامـرين في عَبـث اليقـظة، إغفـاءةٌ عـلى الضـوضـاء
وأنـا هـائـم يـطير مـع الـريـح ويخـطو على جنـاح الفضـاء
كـلُّ هذا السـهوم في عـمق عـينيَّ حنـيـنٌ مـؤرّقٌ بـالـرجـاء
كلُّ هذي الهمـوم أطياف مـاضٍ عبثـت فيـه لـوعـة الكبـريـاء
أنـا روحٌ تصفـو كـما يلتقي الينبـوع بـالصحو في ابتسـام السماء
وحيُها في جنـائن الله، في أحـلامهـا الخضـرِ في خشـوع الـدعاء

* * * *

ضُـمَّنى في بحيـرة الحـب إني أقـطع العـمـر في دجى البغـضـاء
المـغـنُّـون في الـظـلال كـثيـرون بـوحي النـوازع الـسـوداء
يُرهِـقـون الحَيَـاة، بـالحقـد إمَّـا فتَّـح الحـبُّ أعـين الأحيـاء
كلـِمـةٌ تجـرح المشـاعر بـالشـوك وأخـرى تـؤجُّ بـالشحنـاء
ويقـولـون.. إنهـا عـزمـة الثـورة إن عـربـدت ريـاح الفـنـاء
إنَّهـا قصـة الـرسـالات تـطـوي بيـديهـا جـحـافـل الأعـداء
إنهـا روعـة العـداوة: أن تـوحـي للسـائـريـن وحـي العِــداء
لتـسـير الحـيـاة في خـطوة القـوّة تجـتـاح نـخـوة الأقـويـاء
ويقـولـون.. أيُّ فـكـر حقـود يبعث الـريّ في الـربـى الخضـراء؟
قِصّـةُ العمـر أن تغنّـي لـك الثـورة حـبّ الـربيـع في الصحـراء
وهـداهـا أن تجـرح الليل بـالنور، كـما الفجر في خـطى الـظلماء
جَـرِّد السيف بـالمحبـةِ حتَّـى تلتقي الحـرب بـالمعـاني الـوضـاء
واحمـلِ الفكـرة التـي تـومـض اللهفـة فيهـا بـأمنيـات اللّقـاء
فـإذا همـهمـت لـديـك الـدياجـير وجُنَّتْ عـواصف الأنـواء
واستثـارت خـطى الجحـيم تهـاويل المنـايا في دمـدمـات العـواء
فجِّـر الحـرب، واقتحم كـل هـولٍ يتحـدّى حياتنـا بـالشقـاء
إنّـه الحـب يصـرع الـقـوة الـسـوداء يمـتصُّ قسـوة الضـراء
ليعـود الإنسـان، في ملعب الفجـر، كما النُّـور في عيـون الصفـا

* * * *

ضُـمَّني في بـحيـرة الـحُلُمِ الـوردي في غفـوة الـرؤى الـسمحـاء
إنّـني هـا هنـا، يعـربـد فيّ اليـأس والحـزن في الخـطى العمـيـاء
إنـني هـا هـنـا أصـارع أهـوائـي بـروحٍ تـضـجُّ بـالإغـراء
تـزدهيني الأشـواق، للنُّعميـات الخضـر في موعـد الـرؤى الحمـراء
وتغـني لـي الحـيـاة أغـانـي الـلّهـو لحـنـاً منــوّع الأسـماء
وتفـحُّ اللّـذات في عمـق إحسـاسي، وتنـسـاب شهـوةً في دمـائي
وأنـا هائـمٌ تعـيش الخـطايـا في عـروقي، في فـتـنـة الأهـواء
وبنفسـي وسـاوس الـشر تـرتـاح لـديهـا نـوازع الأسـواء
إنـني هـنـا تمـزِّق قـلبـي في خـطى الليـل وحشـة الـبيـداء
غـير أني أهفـو.. تُهـدهـدني الألـطاف.. حبّاً في هـدأة الاغفـاء
كـلّ هـذا العـذاب، كلُّ الـديـاجي تتهـاوى أمـام قـدس السماء
كـل ما في الـدنـا من الهمّ والغمِّ، ومـا امتـدَّ من صنـوف البـلاء
هي وحي النعـيم في عمق روحـي وصـدى لهفـتي وسـرُّ هنـائـي
إن أطلَّتْ عَـليَّ من جنَّـةِ الـرَّضـوان ألـطاف خـالقي بـالـرضـاء

* * * *

يـا صفـاء السـماء حسـبي صفـاءً أن روحـي في رحـلة الإسـراء
أنّـني أستـحـمُّ بـالـنـور روحيّـاً لـذيـذاً في روعـة الـلألاء
أنّ ربّي يـوحـي لـقلبـي بـالحـب طـهـوراً كهـمسـة الانـداء
فـإذا بـالحيـاة خـطـو رسـالاتٍ كبـارٍ في مـوعـد الأنـبيـاء
وإذا بـالمشـاعـر الـبـيض فـيـضٌ أريحـي مـن دعـوةٍ غَـرّاء
وسـلامٌ لا تستـريـح لـه النـزوة في لهـفـة المـنـى الحـمـراء
يمـنح الـروح كـل نُعمـى من القـدس الإلهي في إبتهال الـدعـاء
كـل آفـاقـه ربيـعٌ.. يثـير الأرض بالخصـب والـرؤى الخضـراء
ويهـزُّ الأعـمـاق بـالشـوق مـلهوفـاً إلى كـلّ فـكرة عـذراء
تبـدعُ الفجـر من حنـايـا الـدياجـير حيـاةً فّيـاضـةً بـالسنـاء
إنّـه الله.. هـل نعـيش نـجـاواه لنـمتـد فـي مـدى الأرجـاء؟
لم يُنـزِّل جهـلاً ولم يـوحِ بـالحقـد ولم يُسلِم السُّـرى لـلعنـاء
إنّمـا كـان وحيُـه الفـكـرُ رفّـافـاً رحيبـاً منـضّـر الأجـواء
يتخـطَّى كـل المتـاهـات بالـوعـي لتمتـدَّ في هـدى الصلحـاء
يتهـاوى وحـي الخرافـات إن رفَّ هُـداهُ علـى الـذرى الشمـاء
دربُـه الحـبُّ والسـمـاحـةُ والـلطفُ بـروحٍ نـفَّـاحةِ الأشذاء
إنّـه الله.. هـا هـنـا في قـلوبٍ لم تُـدنَّس بفـتـنـة الأخـطاء
لم يَغِبْ عن عبـاده لم يـدع لليـأس أن يلتقي بـوحي الـرجـاء
جَـنَّـةُ الأرض مُلتـقـانـا على درب نجـاواه في نعيـم الـلقـاء
حـضـنـتـهـا آيـاتُـه فـلكـلّ ٍ في هـداهـا منـابعٌ للرخـاء
السّـلامُ المنضَّـر الـوادعُ الـريّـان في السفـح بـين ظـلٍّ ومـاء
هـبـةُ الله لـلحـيـاة الـتي تمـرح أحـلامـها مـع الأوليـاء

* * * *

وعـلى مـلتقـى دروب الـرسـالات حمـلنـا عـدالـة الأمـنـاء
دربهـا الحق فهـي فـوق الغـوايـات أمـام الأعـداء والأصدقـاء
حسبـها: أنّها تُفـتِّح عيـنيهـا عـلى البـؤس في جنـون الـثـراء
كـلُّ هـذا الجـوع الـذي يـأكـل القـوّة، يمتصُّ لهفـة الفقـراء
هو سـرُّ الأسـرارِ للتُّخـمـة البلهـاء في زهـو أعيـن الأغـنيـاء
كلُّ هذي البأساء في الأرض، في عسف الـدياجي غب أنَّـةِ البؤسـاء
هي رجع الصـدى لـوحيٍ حقـود متـرفِ الفكـر فـاجر الأهواء
يحسب الكـون ملكـه فعـلى عيـنيـه لـلمغـريـات ألفُ غشاء
يـتمنَّى.. فتـلهث الأمـنيـات الحـمـر نشـوى بـخـمرة الإثراء
حسبُـه من تفـاهـة الـرّوح أن يُسْـلِمَ نجـوى أحـلامـه للغبـاء
ثم يخـطو في الـدرب إن زغـرد الـدّرْب بـإيمـانـه، عـلى استحياء
يبخـل الحلم في يـديـه عـلى الـدنيا فـلا يلتقي بـروح العـطاء
وتنـجيـه روعـة الأريحـيّـات فيـجتـاحـها بغـير حـيـاء
يـا لهـول الإنسـان يـظمـأ فيـه الخـير والأرض جنَّـةٌ من وراء

* * * *

أيُّهـذا الإنسـان هـل أنت قـارون... أتحيـا طبيعـة الكبـريـاء
كـان يحيـا في عـالم من كنـوز.. حجبتـه عن رؤيـة الـلألاء
عـاش في عـمق ذاتـه لم يُفتِّـحْ قلبـه للحقيـقـة الـبيضـاء
سـجنـته أطـماعـه في خـيـوطٍ نـسجتـها عنـاكـب الآراء
واستثـارت أحـلامـه خـطرات الـوهم في ظـلّ فكـرةٍ جـوفاء
ايهِ قارون... وارتخى الصـوت.. واهتزَّت نجاواه في رحـاب العـلاء
لا تُهَلِّل للمال، لا يفـرحِ الحُلـم بـعيـنيـك، في دروب الهـنـاء
فَـرَحُ الـعمـر أن تـعيش مـع الله حـياةً تمـوج بـالنـعمـاء
كـل أحـلامهـا إذا امتـدت الأحـلام، تحيـا في الجنـة الخضـراء
تلتقيهـا في خـطوة الخـير إمَّـا رفـرفت روحـه عـلى الضعفـاء
ويـطوف الإحسـان في روعة الحب عـلى كـل مثقـل الأعبـاء
ويْـك أحْسـِنْ إلى العبـاد، ألا تـذكُر فضـل الإلـه في البـلواء
إنـّها نـعمـةُ الإلـه.. فـلا تُفسـدْ حيـاة العبـاد بـالأهـواء
إنّـه لا يحبُّ كـل فسـادٍ يـرهـق الكـون بـاللّظى والشقـاء
وتهـاوى قـارون.. واعـتز بـالإثم.. فضمَّتْـهُ خسفـة البيـداء
أينَ قـارون، يـا جمـوع القـوارين.. تعـالّوْا إلى نـداء السـواء
إنـه الله، وحيُـه الرحمـة الكبـرى، فسيروا عـلى هـدى الرُّحمـاء
قد تـطول الحـياة قـد يفتـح الكـون ذراعيـه للقـوى السـوداء
غـير أن الـلّظى تـؤجّ، وقـد تحـرق نـيـرانها غـد الادعـيـاء
حيث تحيـا أعمالُنـا في حسـاب الله، يـوم التـقى ويـوم الجـزاء

* * * *

يـا صفـاء الحيـاة يـا حُلُم الـروحِ، الّتي غُطِّـيت بـألف غـطاء
وأثـار العُجـاج بـالـرّمـل عينيها فتـاهت في مهمـه الصّحـراء
أعـطني فكـرة الضحى.. روِّ روحي بـالينـابيع في حقـول السـماء
أنـا حسبي الصفاء في الـروح حتى أبلَـغ القـدس في ذرى العليـاء
حيث لا يحجب الضبـاب حياتي عن هـدى الله في ابتهال الـدعـاء
أنـا حسبي الصّفـاء يـا رب إنّي أهـرق العمـر في كؤوس الصفـاء

* * * *

نظمها وهو في الطائرة، بين لندن وبيروتبتاريخ 20/3/1978م.