قصائد في رثاء السيد >وكان شراعاً تجادله الرّيح - عبد الحليم فضل الله


وكان شراعاً تجادله الرّيح

عبد الحليم فضل الله

(قصيدة مهداة الى المرجع الرّاحل، السيد محمد حسين فضل الله)

إذا ما استفاقت دروب القرى

وأهدت لأعيننا الشّمس

ورفّ جناحٌ

وهبّ الصّبا

وطاف شعاعٌ على قبّة غمرتها المآذن

وهامت صلاةٌ بمحرابها

وماجت حقولٌ من القبضات السّمر

سنذكر أنّ شهاباً مضى

وأنّ سديماً يرسم قوس السّماء صار نجماً...

وكان شراعاً تجادله الرّيح حتى استراحت نسيما

وكان يسافر بين العواصف يقطفها بيديه...

ويرسلها قبساً نيّراً وسراجاً وضيئا

وكان كما الأمّ يقطر حبّاً... كما البحر جوداً وخصبا

مقيماً على ضفّتين:

يضجّ هدوءاً... وينساب ثورة

يرتق خرقاً... ويخرق رتقا

يداعبه الشّكّ... لكن على صفحةٍ من يقين

ويقتبس الصّبر من وثبات الغضب...

وكان متى همهم الخيل يستأذن الصّمت

يطوي سجلّ الوداعة... يستوي مارداً

يطوف على المتعبين

يسلب النّائمين السّهاد

وينزع أغطية اليأس

لا يقبل العذر...

كيف المهانة؟

كيف الخيانة؟

كيف الفرار من الزّحف؟

وكان إذا ما رآني يربّت كتفي

ويلبسني معطفاً من طموح

ويمنحني الأمنيات

ويوقظ فيّ حنيناً إلى عالمٍ مترفٍ مشبعٍ بالفضول

إلى أفقٍ زاهرٍ فيه ألف لونٍ ولون

إلى زمنٍ سرمديّ الفصول.

وقد قال لي... أو قل قرأت بعينيه

أنّ الغروب جميل

واللّيل نافذةٌ للوعود

فلا تخش من وشوشات الظِّلال

ولا تسكب الحزن فوق السّواقي الزّلال

وخلّ الظّلام يطوف حواليك... لا تبتئس

إذا كان فجرك في راحتيك

وصبح الحقيقة في ناظريك

ونور السّماوات والأرض مستيقظٌ في الضّمير.

إذا عبرت للجنوب القوافل

وفي الشّرق زالت خيام القبائل

وعاد العراق إلى دجلة والفرات

وأسلمت القدس للعائدين.

سنعرف أنّك كنت هنا وهناك

وأنّ غداً أنت فيه.

طلقُ المحيّا

مشرقٌ كالرّبيع

رائقٌ كالرّوابي الّتي عشقت همسات المقاتل.

لأنّك كنت... وما زلت مثل الأمل

يسافر لكن يعود

يحلّق لكن يحطّ على سدرة المنتهى

سأنسلّ من جوقة النّادبين

وأتلو نشيد الحياة

ألوّح للضّوء والأغنيات

لروح الغريب الّذي قد طوى غربته.

جريدة السفير اللبنانيّة

 التاريخ: 05 شعبان 1431  ه الموافق: 17/07/2010 م