خطبة الجمعة >منبر الحسنين>العسكري (ع) : عمر قصير وتجارب مريرة

العسكري (ع) : عمر قصير وتجارب مريرة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 الخطبة الأولى

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب: 33]..

ذكرى وفاة الإمام العسكريّ(ع)

نلتقي في الثّامن من شهر ربيع الأوّل بذكرى وفاة أحد أئمّة أهل البيت، الّذين ما إن تمسَّكنا بهم لن نضلّ أبداً؛ إنّه الإمام الحادي عشر ، الإمام الحسن بن علي العسكريّ، عليه وعلى أبيه الإمام الهادي أفضل التحيّة والسّلام...

أيّها الأحبّة: ما نلاحظه، أنّ التّاريخ لم ينقل لنا الكثير عن سيرة الإمام الحسن العسكريّ، وهذا الأمر يعود إلى عدة أسباب:

أحدها وهو طبيعيّ، أنَّ الإمام عاش عمراً قصيراً، إذ توفّي وهو شابّ عن عمرٍ يناهز السّادسة والعشرين..

والأمر الثّاني هو انشغاله بمهمّة أساسيّة، وهي التّحضير وتهيئة كلّ الظّروف لمرحلة وليده الإمام المهديّ..

أضف إلى هذين الأمرين أمر آخر أساسيّ، وهو التَّضييق الّذي مورس معه على أشدّه...

تجربة مليئة بالمعاناة

لقد عاصر الإمام الحسن العسكريّ(ع) فترةً حرجة من الصّراع مع السلطة العباسيّة، تميّزت بتراخي قبضة الخلافة على السّلطة، وضعف الدّولة العباسيّة آنذاك، ومع ذلك، زاد الضّغط والتّضييق على الإمام وقاعدته الشعبيّة، لخوفها من تعلّق النّاس به. وزاد من هذا، انتشار الأحاديث الواردة عن رسول الله(ص)، أنّ الإمام المهديّ المنتظر(عج) ـ الّذي سيخرج ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويعيد الحقّ إلى نصابه ـ سيكون ابن الإمام الحسن العسكريّ (ع) .

لهذا، عاش الإمام(ع) تجربةً مريرةً مليئةً بالمعاناة، كانت تهدف إلى عزله عن النَّاس، والحدّ من أيِّ نشاطٍ قد يقوم به. وبالمناسبة، فانّ اللّقب الّذي عُرِف به الإمام الحسن، وهو العسكريّ، يشير إلى جانب من ذلك..

 فقد كان له من العمر سنتان، حين فرض الخليفة المتوكّل على أبيه الإمام الهادي (ع) ترك المدينة المنوّرة، والحضور قسراً إلى سامرّاء والبقاء فيها، وقد كانت سامرّاء تسمّى بـ"عسكر"، كونها مركزاً لتجمّع الجيوش العباسيّة، وأضحت فيما بعد مركزاً للخلافة. وقد عاش الإمام العسكريّ في هذه المدينة مع أبيه عشرين سنة، وحمل أعباء الإمامة ستّ سنوات، استطاع خلالها بسياسته الحكيمة، وشخصيّته الفذّة، وأخلاقه السّامية، أن يفرض احترامه حتّى على أشدّ النّاس قساوةً على آل البيت(ع).

فهذا وزير الخليفة المعتمد عبيد الله بن خاقان، يقول لابنه، عندما سأله عن سبب تبجيله واحتفائه الخاصّ بالإمام(ع) عندما زاره في مجلسه، حيث رآه قد قام ومشى إليه، وقبّل صدره ووجهه، وأجلسه إلى جنبه، وجعل يكلّمه ويفديه بنفسه: "ذاك إمام الشّيعة الحسن بن عليّ الهادي، المعروف بابن الرّضا. اِعلم يا بنيّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس، ما استحقّها أحد غيره، لفضله وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه... وهكذا كان والده، وهكذا كان أجداده ... هو من أهل بيت زقّوا العلم زقّاً". . .

وفي مدينة سامرّاء، لم يكن أحد يسأل عن خبر الإمام الحسن العسكريّ(ع)، سواء الناس، أو القوّاد والكتّاب والقضاة والفقهاء، إلا ويجده عندهم في غاية الإجلال والإعظام، والمحلّ الرّفيع والقول الجميل، لم يُر له وليٌّ أو عدوّ إلا وهو يُحسن القول فيه، والثّناء عليه...

هذا هو الإمام الحسن بن علي العسكريّ، الّذي ملك قلوب النّاس، محبّين وأعداء، حتّى أسبغوا عليه صفات ونعوتاً، منها الإمام الزّكيّ، والنّقيّ، والسّراج، والرّضيّ، والهادي، والتّقيّ...

اهتمامه(ع) بالقاعدة الشّعبيّة

 كما وتنقل لنا السّيرة عن حكمته ودرايته في إدارة الصِّراع مع السّلطة، فالإمام(ع) كان مكرهاً كوالده على التَّواصل مع هذه السّلطة، والحضور إلى بلاط الخليفة، من ضمن زيارات محدّدة لتأمين الرّقابة الدّائمة عليه.. وخلال هذه الزّيارات المفروضة، لم يكن الإمام يعطي أيّ صكّ براءة أو شرعيّة، بل كان يوظّف هذه الزّيارات لإبعاد أي شرّ عن أصحابه وقاعدته.

وبالحذر نفسه، أقام شبكة علاقات مع أصحابه وقواعده الشَّعبيَّة، وكي تظلّ هذه القواعد بمنأى عن مغريات الانحراف، فقد اهتمّ الإمام بأحوالها المعيشيَّة، فكان يمدّ أفرادها بالمال عند الضَّائقة الاقتصاديَّة، ويتتبَّع أحوالهم، ويزوِّدهم بالإرشادات. وقد اتّبع(ع) العمل السّريّ في هذه العلاقات، وكان يأمر أصحابه باتّباع هذا الأسلوب في كلّ نشاطاتهم وتحرّكاتهم، وكان أن منع عليهم التَّصريح بمواقفهم، حتَّى ولو كانوا داخل زنزانة، لأنَّ الجواسيس كانوا يترصّدون أيّ حركة للإمام أو أصحابه، للانقضاض عليه ومنعه من ممارسة دوره.. كلّ هذا الخطر دفع بهم إلى اللّجوء إلى أسلوب التقيّة..

ونحن هنا نشير إلى أنَّ استعمال التقيَّة كأسلوبٍ، ليس قاعدةً أساسيَّة في التَّعامل، بل هو فقط لحالات الضَّرورة.. فالبعض يتحدَّث ويقول إنَّ أسلوب أتباع أهل البيت وكلامهم ومواقفهم لا يوثق بها لأنَّها من التقيَّة!! ونحن نقول إنَّ في الأمر تجنّياً، فالتقيَّة هي مبدأ إنسانيّ عام، قد يضطرّ لها كلّ من يتعرَّض للضّغوط في وجوده أو كيانه، والأمثلة أكثر من أن تُحصى في التّاريخ القديم والمعاصر..

دور الوكلاء

أيّها الأحبَّة: لقد تابع الإمام الحسن العسكريّ(ع) دور أئمّة أهل البيت(ع)، في حفظ الإسلام وبقائه نقيّاً صافياً، و قد اعتمد في مرحلته الصَّعبة الّتي عاشها على مبدأ الوكلاء الخاصّين الّذين كانوا بمثابة صوته، يحملون نصائحه وتوجيهاته وقراراته، وينقلونها إلى المواقع الّتي لم يكن يستطيع الوصول إليها، كما ينقلون إليه في المقابل، وبكلّ حذر، حاجات النّاس وتساؤلاتهم، وزكاة أموالهم وخمسهم، وقد تولّى هؤلاء الجانب الإداريّ والماليّ بين الإمام وقاعدته. كما  برز مع الإمام العسكريّ الرّواة الّذين بلغوا مائةً وتسعةً وأربعين راوياً.. وعندما نتحدَّث عن الرّواة، لا نتحدَّث عن ناقلي الأحاديث، بل عن المهتمّين بالأحاديث والعقيدة والمفاهيم والباحثين فيها.

كما حثَّ الإمام(ع) العلماء من أصحابه على إصدار الكتب والرَّسائل الّتي كان يراجعها بنفسه وينقِّحها، وربّى في أصحابه الوعي السياسيّ، والحسّ الاجتماعيّ، واليقظة الفكريّة؛ ليصنع منهم شخصيّات إسلاميّة، تمثّل مدرسة أهل البيت(ع)، ونظرتهم إلى الدّين والحياة..

 وككل الأئمّة، كان الإمام العسكريّ(ع) مواكباً لعصره، عارفاً بزمانه، إذ سعى إلى متابعة الانحراف الفكريّ في مرحلته، والتّساؤلات الّتي كان يثيرها الفلاسفة، كما تصدّى للردّ على كتب الغلاة والمنحرفين..

وعندما علم أنّ الفيلسوف الكنديّ، وهو فيلسوف العراق، قد شرع بكتابة ما ادّعاه بتناقضات في القرآن، أرسل الإمام إليه من يناقشه فيه بطريقة علميّة هادئة، إلى أن أدرك الكندي خطأه المنهجيّ والاستدلاليّ، ما جعل الكنديّ يحرق ما كتبه، ويخرج من تساؤلاته مُقراً بعلم الإمام العسكريّ وعمقه وحرصه وحكمته.

الجهاد الرسّاليّ

أيّها الأخوة والأخوات، لقد كانت حياة الإمام العسكريّ جهاداً متواصلاً لأداء رسالته، وعلى الرّغم من اعتراف خلفاء عصره بفضله، ظلّ الإمام عرضةً للتّنكيل، فقد كان هؤلاء الخلفاء يغتاظون كثيراً عندما يرون امتداد موقعه من خلال التَّقارير الواردة إليهم. ولهذا، لم يجدوا بدّاً من سجنه، لإبعاده عن أعين النَّاس وقلوبهم، وتعرَّض خلال خلافة المعتزّ والمهتدي والمعتمد للسّجن أكثر من مرّة، وكانوا يوكلون به أشخاصاً من ذوي الغلظة والعداء، لكنّ الإمام(ع) كان يستفيد من موقعه في السّجن، ليُدخل الإيمان حتَّى إلى قلوب سجّانيه، وذلك من خلال حسن تعامله معهم، وهم يرون عن قرب شدّة زهده وعبادته وأخلاقه العالية. وقد استطاع الإمام أن يغيّر هؤلاء، وهذا ما أشار إليه أحد سجّانيه، وهو صالح بن وصيف، الّذي كان يقول: "ما أصنع برجلٍ قد وكلت به رجلين من شرّ رجالي، فصاروا من العبادة والصّلاة إلى أمر عظيم".

وبقي الإمام يتابع دوره الرّساليّ، غير آبهٍ بكلِّ الضّغوط الّتي كان يراها ضريبة الرِّسالة الّتي تحمَّلها. من هنا، نرى في ذلك درساً يعلّمنا أن لا نسقط تحت الضّغوط، وأن نستفيد من كلّ موقعٍ نتواجد فيه، حتّى ولو كنّا في أعماق السّجون، ومع أشدّ النّاس، وفي أصعب الظّروف معاناةً على المستوى العقائديّ أو الفكريّ أو الاجتماعيّ أو السياسيّ... أن لا نُستفزّ فننسى دورنا وشخصيّاتنا ومسؤوليّاتنا.

نهج الحوار

لقد خطّ الإمام العسكريّ وبقيّة الأئمّة نهجاً في الحوار مع الآخر، حتّى مع أعدائهم، وذلك من أجل إبقاء الصّراع في نطاقه الفكريّ لا الشّخصيّ، لنبذ العنف والتعصّب، خلاف ما يحدث في ساحاتنا اليوم.

نحن اليوم عندما نلتقي بأحد نعرف أنَّ له رأياً معادياً أو مخالفاً، فإنَّنا على الفور نتَّخذ منه موقفاً، ونشعره بذلك، ونقاطعه، وقد نشتمه ونوسّع الدّائرة إلى كلِّ من يمتّ إليه بصلة، مع أنّ دروس الرّسالة تعلّمنا أنَّ المختلف عنّا هو أحوج ما يكون لننفتح عليه، أن نستوعبه ونوصل إليه فكرنا وأخلاقنا ومبادئنا، علماً أنّ أسلوب التّعقّد والانزواء هو أسهل الأساليب، والأصعب هو أسلوب الانفتاح على الآخر.. ولكنَّ مشكلتنا، أيّها الأحبّة، أنّنا أناس بتنا مهيّأين لنتعقّد من بعضنا البعض لأقلِّ الأسباب، حتَّى انتقل هذا التَّعقيد ليصبح سمةً من سمات الأفراد والجماعات...

نعم، قد يكون السَّبب أنَّ الآخر هو من يذهب في الخلاف إلى حدّ العداء، وأنّ الآخر هو الّذي يرفض الحوار، وهو الّذي يستفزّ وينعزل... ولكن، حتّى لو كان الآخر كذلك، فإنّك أنت صاحب قضيّة، وقضيّتك ليست شخصيّةً، بل هي قضيّة نشر قيم الحقّ والعدل وما تؤمن به. لذا عليك أنت ألا تتعقّد من اختلاف أو شتم أو تضييق أو رفض، وما إلى هنالك من ضغوطٍ وتعقيداتٍ نعيشها في واقعنا الصّعب هذه الأيّام، فمسؤوليّتك أن تفتح القلوب المغلقة، وألا تكتفي بدخول القلوب المفتوحة. وهذا مطلوب منّا بدءاً من أقلّ المستويات؛ في البيت الواحد، أو فيما يتعلّق بزمالة العمل أو الجيرة، وصولاً إلى التّقاطعات الكبرى على مستوى الدّين والمذهب والوطن....

تسليم الأمانة

أيُّها الأحبَّة: نعم، كانت فترة إمامة العسكري قصيرة، لكنَّها كانت مفصليّة، وكان عليه أن يؤدِّي دورين في غاية الأهميَّة: أن يؤمِّن ولادة ولده الإمام المهدي(عج) بسريَّة تامَّة، وأن يعمل على تهيئة القاعدة له من الخلَّص من أصحابه، والتَّمهيد للغيبة الكبرى.

وهذا ما استطاع أن ينجح فيه ويحقّقه، بحيث ولد الإمام المهديّ(عج) بسريّة تامّة، وراح الإمام العسكريّ يهيّئ أذهان النّاس والقاعدة كي يتقبّلوا فكرة غيبة إمام عصرهم، وتعويدهم الالتزام بها. ويسّر الله أمر إخفاء الولادة، وبدأ النّاس يتكيّفون نفسيّاً مع فكرة الغيبة، وتمرير الاتّصال به بواسطة الوكلاء..

في الثّامن من ربيع الأوّل، غاب الإمام العسكريّ لينهي حياة قصيرة، كانت الجسر الّذي مهّد لوصول رحلة الأئمّة وجهادهم إلى خواتيمها، وتسليم الأمانة إلى إمامنا المهدي المنتظر الّذي ننعم في ظلّ إمامته، وندعو الله أن يعجّل فرجه ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه..

ولقد ترك الإمام العسكريّ أيضاً زاداً ليضاف إلى زاد آبائه وأجداده، وهو خير الزّاد، إنّه وصايا في مكارم الأخلاق وقيم الإسلام والتمسّك بها؛ ليكون من ينتسب إليهم قدوة في العلم والزّهد والعبادة والخلق والجهاد.

وقبل أن يغادر، ترك(ع) لمن حوله وصيّته الّتي ينبغي أن تكون أساساً لحركتهم وحركتنا، عندما كتب لأحد أصحابه:

أوصيك بتقوى الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، فإنّه لا تقبل الصّلاة من مانع الزّكاة.وأوصيك بمغفرة الذّنب، وكظم الغيظ، وصلة الرّحم، ومواساة الإخوان، والسّعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقّه في الدّين، والتثبّت في الأمور، والتّعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، قال تعالى : {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس}.

 وعليك بصلاة اللّيل، فإنّ النبيّ(ص) أوصى عليّاً(ع) فقال: يا عليّ! عليك بصلاة اللّيل، عليك بصلاة اللّيل! ومن استخفّ بصلاة اللّيل فليس منّا.. فاعمل بوصيّتي، وأْمر جميع شيعتي بما أمرتك به، حتَّى يعملوا عليه".

السّلام على الإمام الحسن بن علي العسكريّ، يوم ولد، ويوم انتقل إلى رحاب ربّه، ويوم يُبعث حيّاً..

الخطبة الثّانية

أولويّة القضيّة الفلسطينيّة

والبداية مع فلسطين، الّتي لا تزال تشهد غطرسة صهيونيّة متصاعدة، تستهين بالعرب وبالمسلمين، ولا تبالي بالجامعة العربيّة، ولا بمنظّمة التّعاون الإسلامي وكلّ دعاة حقوق الإنسان، حيث تتواصل حملات الاعتقال، وليس آخرها، اعتقال رئيس المجلس التّشريعيّ وعدد من النوّاب، كما تتواصل مصادرة الأراضي، وآخرها مصادرة 1400 دونم في القدس، في وقتٍ تستمرّ الغارات العسكريّة على قطاع غزّة، وسياسات القمع والتّضييق في الضفّة الغربيّة.. كلّ هذا يتمّ وسط صمت الّذين يتحدّثون عن حقوق الإنسان وحريّة الشّعوب...

ومن هذا المنطلق، نحن نستغرب عدم إقدام السّلطة الفلسطينيّة على اتّخاذ موقفٍ حاسمٍ تجاه ذلك كلّه، بإيقاف المفاوضات مع الكيان الصّهيونيّ، هذه المفاوضات الّتي لطالما أكَّدنا أنَّها لا تُسمن الفلسطينيّين ولا تغنيهم من جوع، وأنَّها مضيعة للوقت. وهنا نعيد التّأكيد على العرب والمسلمين، ولا سيَّما الحركات الإسلاميَّة والوطنيَّة والقوميّة، وكلّ دعاة حقوق الإنسان، أن يتحمَّلوا مسؤوليَّاتهم تجاه الشّعب الفلسطينيّ المجاهد وتجاه أرضه، وخصوصاً القدس، وإبقاء هذه القضيَّة من الأولويّات، حتّى مع وجود قضايا أخرى حاضرة الآن بقوّة، لأنَّه لا ينبغي أن نحيد النَّظر أبداً عن متابعة مخطّطات هذا الكيان، الّذي لا يكلّ ولا يملّ في سعيه للانقضاض على فلسطين، والكيد للعالم العربيّ والإسلاميّ، مستغلاً انشغال العالم العربيّ والإسلاميّ بقضاياه..

وفي هذا المجال، فإنّنا ندعو الشّعب الفلسطينيّ إلى أن يعمّق وحدته، وأن تتجاوز قياداته كلّ الحسابات الخاصّة لحساب أن تبقى فلسطين، كلّ فلسطين، ونحن على ثقة بأن هذه القيادات ستسرّع خطوات توحيد الصّفوف ولمّ الشّمل، بعد وعيها أنّها في مواجهة عدوّ لا يفهم إلا بلغة القوّة...

الأزمة السّوريَّة ومحاولات التّدويل 

وفي موازاة ذلك، تستمرّ المراوحة في المشهد السّوريّ، وتستمرّ معها المشكلة، بكلّ ما تستنزفه من دماء، وما تتركه من آثارٍ مدمّرة على وحدة سوريا، إضافةً إلى نتائجها السلبيَّة على المحيط الإقليميّ والدّوليّ، وعلى الواقع العربيّ والإسلاميّ خصوصاً...

وقد فوجئنا، كما فوجئ الجميع، بالطَّريقة الّتي تصرَّفت بها بعض دول الجامعة العربيَّة مع التطوّرات هناك، حيث سارعت إلى التَّشكيك في تقرير رئيس المراقبين العرب الواردة إلى الجامعة العربيَّة، والّذي أشار إلى تحسّن الوضع في سوريا، لتبني على ذلك موقفها، ما أوصل المبادرة العربيّة إلى طريق مسدود، ليتمَّ الحديث بعد ذلك أن لا مفرّ إلا اللّجوء إلى ما حذَّرنا من سلبيّاته، وهو مجلس الأمن الدَّولي...

إنَّنا نرى في كلّ ذلك تعقيداً للواقع السوريّ، وإيصاله إلى حافة الفوضى والمجهول، وإدخالاً لسوريا في لعبة صراع المحاور الدّوليّة والإقليميّة...

إنّ الهدف الّذي ينبغي للجامعة أن تعمل له، هو حفظ الواقع العربيّ وحمايته والحفاظ على استقراره، ليكون أقوى على مواجهة التحدّيات والتّهديدات الّتي يصنعها كلّ من لا يرى في هذا العالم العربيّ إلا نفطاً، وإلا مصالح الكيان الصّهيونيّ، لا أن يكون هناك سعي لإضعاف أيّ موقع من مواقع القوّة فيه، أو تعريضه للاهتزاز أو تقوّي الآخرين عليه...

خطر العقوبات على إيران

وليس بعيداً من ذلك، ما نراه في العقوبات الغربيّة الّتي تتصاعد ضدَّ إيران، معطوفةً على حشد المزيد من القطع البحريَّة الأمريكيَّة في مياه الخليج وبحر العرب، حيث نشهد محاولةً جديدةً لدفعها إلى التَّسليم بالشّروط الأمريكيَّة في كلّ ما يتَّصل بسيادتها وعنفوانها وكرامتها الوطنيّة...

إنّنا في الوقت الّذي نرى أنَّ هذا الأسلوب يؤدّي إلى معاقبة الشّعب الإيرانيّ، والضّغط على لقمة عيشه وحاجاته الأساسيّة، ندعو العالم الغربيّ إلى وعي خطورة ما قد يؤدّي إليه هذا الأسلوب من نتائج سلبيّة على الاقتصاد والسّلم العالميّين، ما يستدعي عملاً جدّياً لتفادي أيّة كارثة نخشى أن تحصل، والجلوس على طاولة الحلّ الّذي يضمن لإيران القدرة على الاستفادة من الطاقة النووية للشّؤون السلميّة وتطوير قدراتها العلميّة...

ونحن نرى مسؤوليّة كبيرة على الدّول العربيّة والإسلاميّة في إيجاد السّبل الكفيلة بإيقاف الضّغوط ومنع تفاقم الأزمة...

وهنا نعيد التَّذكير بأنَّ القبول بالضّغط الاقتصاديّ على أيّ بلدٍ عربيّ أو إسلاميّ، سوف يسهّل استعمال الأسلوب نفسه مع دول أخرى، عندما تقتضي السياسة الاستكباريَّة ذلك، وتتحرّك مصالحها في هذا الاتجاه...

البحرين: الجرح النّازف

ونصل إلى البحرين، هذا البلد المنفيّ من ذاكرة العالم، حتّى من ذاكرة الذين يتحدّثون بكلّ قوّة وإصرار عن ضرورة أن تحظى الشّعوب بحريّتها، والإنسان بحقّه في العيش الكريم، وكأنّ هذا الشّعب استثناء عن بقيّة الشّعوب، فالدّم النّازف من أبنائه لم يتوقّف...

إنّنا نجدّد دعوتنا للحكومة البحرينيّة أن تبتعد عن لغة العنف وتوتير الأجواء، وأن تلجأ إلى التهدئة ولغة الحوار.. فهذا هو السّبيل لتعود البحرين إلى دورها الرّياديّ، فقد آن لها أن تعي مطالب شعبها وحاجاته، وأن تدرس الأسباب الّتي تدفع هذا الشّعب ليضحّي بحياته، ومن دون أن يكلّ عن التحرّك كلّ يوم ليعبّر عن إرادة الحريّة...

وفي الوقت نفسه، نقول لدعاة الحريّة وحقوق الإنسان، إنّ الحريّة لا تتجزّأ، وحقوق الإنسان لا تتعدّد، ولا ينبغي أن يكون عندهم شتاء وصيف على سقفٍ واحد...

مصر: عام على الثّورة

ونصل إلى مصر، لنهنّئ الشّعب المصريّ، الّذي بدأ سنةً جديدةً بعيداً عن النّظام البائد الّذي أرهقه اقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً، وأبعده عن ساحته الأساسيّة، لتدخل مصر مرحلة جديدة، تمثّلت بانتخاب أوّل مجلس تشريعيّ...

إنّنا ندعو الشّعب المصريّ الّذي قدّم أغلى التّضحيات من أجل الثّورة، إلى المزيد من الوحدة والتّكاتف، وعدم فسح المجال لكلِّ من يريد العمل على إثارة الفتنة في داخله بين الإسلاميّين والعلمانيّين، أو بين المسلمين والمسيحيّين، أو بين الإسلاميّين أنفسهم، والعمل سويّاً من أجل النّهوض بمصر، للعب دورها على المستوى العربيّ والإسلاميّ، ومواجهة التحدّيات الّتي تنتظر هذا البلد في المجالات الاقتصاديّة والأمنيّة والسياسيّة...

لبنان: حكومة مخيّبة للآمال

وبالعودة إلى لبنان، الغارق في العتمة وفي عشوائيّة الانقطاع المتزايد للتيّار الكهربائيّ، وفي فضائح الفساد، وآخرها فضيحة المازوت، فقد خيّبت هذه الحكومة آمال اللّبنانيّين الّذين استبشروا بها، كونها جاءت من رحم الّذين يتحدّثون بأنّهم البديل لكلّ الواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ السّابق...

إنَّنا في الوقت الّذي نعرف حجم الظّروف الصَّعبة الّتي نشأت فيها الحكومة، والتّركة الثّقيلة الّتي تحملها، فإنَّنا نرى أنَّ عليها أن تقوم بمسؤوليَّة كبيرة لإخراج البلد من أزماته الخانقة، وهذا لا يتمّ إلا من خلال حكومة تعمل كفريق متعاون لمعالجة الملفّات الأساسيّة، لا حكومة يناكد بعضها بعضاً، حكومة تخرج من لغة المحاصصة السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة إلى لغة الكفاءة ومصلحة البلد، حكومة تهتمّ بالنّهوض الاقتصاديّ والاجتماعيّ وتخرج البلد من كلّ واقعه، حكومة تقي البلد من كل تأثير العواصف الّتي تعصف بالمنطقة، لا حكومة تجعل البلد مشرّعاً على رياح الآخرين، حكومة تخطيط بكلّ دقّة، لا حكومة ترتجل القرارات وتقع في الهفوات...

أيّها المسؤولون، لا يمكن لنا أن نبني بلداً في ظلّ كلّ هذه التّجاذبات والمماحكات السياسيّة، فيما الأرض تهتزّ من فوقنا ومن حولنا وتحت أقدامنا.. لقد آن الأوان للّبنانيّين أن يشعروا بأنّ هناك دولة تحتضنهم وتفكّر فيهم وتعيش آلامهم وتعيش طموحاتهم، لا دولة يفكّر فيها كلّ مسؤول بمصالحه الخاصّة ومستقبله السياسيّ والانتخابي، وبعلاقاته الّتي بناها مع هذا المحور الدّوليّ أو الإقليمي...

أيّها المسؤولون، إنَّ جمال هذا البلد هو أمانة في أعناقكم، فأبقوه جميلاً بأرضه، بإنسانه، بعنفوانه، بحريّته... لا تشوّهوا صورته في نفوس أبنائه وعند الآخرين...

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 4 ربيع الأوّل 1433 هـ  الموافق: 27/01/2012 م