مفاهيم > الطاعة لله لا تتحدّد بمكان ولا زمان

الطاعة لله لا تتحدّد بمكان ولا زمان

يوجّه الله سبحانه وتعالى نبيّه إلى كيفيّة التحدث مع الناس، ويريد له أن يحدّثهم عن نفسه وعن التزامه بمواقع رضى الله في عبادته وطاعته له سبحانه وتعالى والابتعاد عن معصيته، ليقول للناس إنني أنا رسول الله مُلزم من قِبَل الله بأن أكون مسلماً مخلصاً لله في ديني، عابداً لله بكلِّ ما أراده من الناس أن يعبدوه به، وإنني أخاف من عذاب الله إن عصيته، كما تخافون من عذاب الله إذا عصيتموه، لأنَّ الله تعالى لا يفرِّق في مسألة رضاه وغضبه بين نبي أو ولي أو أيِّ إنسان آخر.

يقول تعالى:{قل} والخطاب للنبي(ص)، ومن خلال النبي(ص) يوجِّه الله تعالى الخطاب للأمَّة {قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربَّكم}[الزمر/10]، لا تكتفوا بالإيمان بالله، فإن الإيمان يستتبع العمل ويستتبع الالتزام بما يفرضه على المؤمنين من طاعة الله وعبادته، وذلك هو خط التقوى؛ أن تطيع الله في ما أمرك به فتفعله، وفي ما نهاك عنه فتتركه، لا أن يقول أحدكم إنّ الإيمان بالقلب، لأن الإيمان قيمته بالعمل، فإذا لم يعمل الإنسان بمقتضى إيمانه، فمن الناحية العملية لا قيمة لهذا الإيمان، {للذين أحسنوا في هذه الدّنيا حسنة} لأن الله سبحانه وتعالى يعطي لعباده الحسنة وهي الجنة لمن أحسن العمل. وقد تحدَّث الله تعالى في أكثر من آية عن مسألة مضاعفة العمل {مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}[الأنعام/160] {وأرض الله واسعة} يعني أن الإنسان يمكن أن يعبد الله سبحانه وتعالى في أي مكان، فليست العبادة مختصة بمكان دون مكان، فإذا ضاقت بك أرض فلم تستطع أن تعبد الله فيها، فعليك أن تنتقل إلى أرض أخرى، لأنَّ الأرض كلها مسجد الله. وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن المستضعفين الذين يعيشون في بلادٍ يسيطر فيها الظالمون والمستكبرون الذين يمنعونهم من عبادة الله سبحانه وتعالى، فيعتذرون لله غداً وللملائكة الذين يحاسبونهم عندما يسألونهم لماذا لم تأخذوا بأسباب الإيمان، وتطيعوا الله في ما أمركم به؟ فيجيبون: {كنَّا مستضعفين في الأرض}، كانت علينا ضغوط كثيرة، ولكنّ العذر لا يُقبلّ منهم.

أولئك هم الذين تحدث عنهم تعالى بقوله: {إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}، الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان من خلال إطاعة المستكبرين ومساعدتهم في معصية الله سبحانه وتعالى، {قالوا فيم كنتم}، كيف كانت أوضاعكم؟ لماذا ظلمتم أنفسكم؟ لماذا كفرتم؟ لماذا عصيتم الله؟ لماذا تركتم طاعته وعبادته؟ {قالوا كنا مستضعفين في الأرض}، وكنا ضعفاء لا نملك القوّة، فاستضعفنا الأقوياء الظالمون والمستكبرون، فكان الجواب أن {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، فإذا لم تستطيعوا أن تعبدوا الله تعالى، وأن تسيروا على الصراط المستقيم في أرض المستكبرين، فهناك أكثر من أرض تستطيعون أن تعبدوا الله فيها، وأن تطيعوه {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}.

نعم، هناك فريق معين يستثنى من العذاب {إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً}، ليس عندهم أي ظرف يستطيعون من خلاله أن يهاجروا، سواء من الناحية المالية أو من النواحي الأخرى، {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً}. {وأرض الله واسعة إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب}[الزمّر/10]، تعني عليكم أن تصبروا على ما تواجهونه من الضغوط ومن الصعوبات، وأن تصرّوا على السير في طاعة الله سبحانه وتعالى مهما ضغط عليكم الضّاغطون، لأن هناك بعض الناس يقول لك إن الشخص الذي أعمل عنده يضغط عليّ، أو كبعض الفتيات تقول إحداهنّ إن والدها أو والدتها يفرض عليها ترك الحجاب، أو أنها تُهدَّد من قِبَل زوجها وما إلى ذلك.

الله تعالى يريد من هؤلاء أن يتحمَّلوا الضغوط ويتحمَّلوا الصعوبة ويتحمَّلوا التهديد ويصبروا، فتكون النتيجة "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، بحسب تعبيرنا المالي، أنّ الله تعالى يعطيك شيكاً مفتوحاً، فتأخذه وتكتب عليه الرقم الذي تريد، هذا يستأهل أن يتحمَّل الإنسان الضغوط ويتحمَّل الكلام القاسي ويتحمل بعض الأشياء، والله سبحانه وتعالى عندما تحدَّث عن الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة، سواء في أوضاعهم الخاصة أو العامة، {قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ـ يعني الله تعالى يصلي عليهم كما يصلي على النبي ويرحمهم كما يرحمه ـ وأولئك هم المهتدون}[البقرة/157].

فما يترتَّب من نتائج على الصّبر يستحقُّ هذا الحجم من التّضحية، لأنَّ الله تعالى يقول: {ما عندكم ينفد وما عندَ اللهِ باقٍ}[النّحل/96]، {والباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً}[الكهف/46].

هذا في الخط العام. وهنا نأتي إلى أن الله تعالى يخاطب نبيَّه وهو نبي الأمة، والله تعالى أرسله للناس جميعاً، وهو حبيب الله والقريب إليه، وشفيع المذنبين إلى الجنة، مع ذلك، يخاطبه الله تعالى ويقول له إنّ عليك أن تعبد الله كما يعبده أي شخص آخر، فليس معنى أن يكون الشخص في مركز عالٍ، أن يأمر الناس بأشياء ولا يقوم بها، بل الإنسان عندما يكون نبياً أو إماماً، أو عندما يكون عالماً مجتهداً، يكون تكليفه أكثر من تكليف الآخرين، لأنه يمثِّل القدوة للنَّاس في أموره، فإذا كان يأمر الناس بعمل فعليه أن يأتي بهذا العمل مضاعفاً.

{قُل إني أُمرت ـ الله تعالى أمرني ـ أن أعبد الله مخلصاً له الدّين * ـ عبادة الإنسان المخلص الذي يخلص دينه لله سبحانه وتعالى ـ وأمرت لأن أكون أوَّل المسلمين}[الزمر/11-12]، أي عندما أدعو الناس إلى الإسلام، فلا بدَّ لي من أن ألتزم به وأنتمي إليه، وأطبِّق أحكامه لأكون أوّل مسلم، بعيداً عمَّا يفعله بعض الناس عندما يطلبون من الناس أن ينتموا إلى هذا الخط أو ذاك، ثمّ يجلسون ليتفرجوا على الناس وهم يطّبقون هذا المبادئ دون أن يلتزموا هم بذلك. عندما تدعو الناس إلى شيء، عليك أن تكون أوَّل من يلتزم به.

{قل إنّي أخاف إن عصيت ربي}، لا تقولوا إن النبيّ قريبٌ إلى الله، وإنّ الله لا يحاسب نبيّه مهما فعل، أبداً، فالنبي يُحاسبَ، لو فرضنا أنه عصى ربه، ولم يعصِ النبي ربه، لأنّه هو المعصوم، لكن لو فرضنا أنه حصل منه ذلك، فالله تعالى يعاقبه كما يعاقب أي إنسان {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم}[الزمر/13]. ثم يؤكد مسألة العبادة بقوله: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني}[الزمر/14] لا أعبد غيره ولا أشرك به غيره، {فاعبدوا ما شئتم من دونه}، اعبدوا الأصنام، اعبدوا الأشخاص الذين يملكون المال ويملكون السلطة، ويملكون القوة أو يملكون الشهوة، كبعض الناس الذين يعبدون نساءهم، أو كالمرأة التي تعبد زوجها أو ما أشبه ذلك.

{قل إنّ الخاسرين}، الخاسر هو الذي يخسر صفقة تجارية، أو يخسر موقعاً سياسياً، أو موقعاً اجتماعياً، ولكن مَن هو الخاسر الذي تمثِّل خسارته أعظم خسارة؟ {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} هؤلاء الذين إذا وصلوا إلى ساحة يوم القيامة، يرون أنه لا عمل لهم ينقذهم من عذاب الله، لا عمل لهم يدخلهم الجنة، لا عمل لأهلهم، لأنّ أهلهم أيضاً لم يربّوهم على التقوى، بل كان همهم الوحيد هو تحصيل المنافع الدنيوية، كما هي مشكلة أكثر الناس في هذه الأيام.

{قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين}[الزمر/15] لأنه خُسران المصير، ففي الدنيا عندما تخسر صفقة تجارية، أو تخسر موقعاً من المواقع، فإنّه يمكن أن يُعوض، لكن عندما تخسر مصيرك فأين العوض بعد ذلك؟ لا يوجد عوض هناك.

لذلك أراد الله سبحانه وتعالى منَّا أن نربح أنفسنا، وأن نربح أهلينا، {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[طه/132]. ثم نقرأ في آيةٍ أخرى بالنسبة إلى وجوب إنقاذ أهلينا من النار: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}[التحريم/6]، لذلك إذا كنت تحبُّ أولادك وتحبُّ زوجتك وتحبُّ بناتك وتحب إخوانك، فادعهم إلى تقوى الله والعمل بطاعته، لترفع عنهم عذاب النَّار.

والله سبحانه وتعالى كما حدَّثنا عن الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، حدَّثنا عن الذين ربحوا أنفسهم وأهليهم في الجنة، يقول تعالى: {جنَّات عدنٍ يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ـ ليـرحّبوا بهم: سلام عليكم بما صبرتم ـ في الدنيا على طاعة الله، وصبرتم عن معصية الله ـ فنعم عقبى الدار}. ذلك حال حال الذين صبروا فربحوا أنفسهم في الآخرة، وأما الذين ظلموا فيقول تعالى عنهم: {لهم من فوقهم ظللٌ من النار}، أي أنّ النار تغطّيهم كمثل الظلال، {ومن تحتهم ظلل ذلك يخوِّف الله به عباده يا عبادي فاتّقون}[الزمر/16]، فكما بدأ الله تعالى الآيات بالدّعوة إلى التّقوى {اتّقوا ربكم}، كذلك هنا يقول{يا عبادي فاتقون}. فهل لنا أن نتقي الله سبحانه وتعالى في كلِّ أمورنا.

نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم، إنَّه أرحم الراحمين. والحمد لله ربِّ العالمين.

موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 25- 11 - 2004م.