|
مفاهيم
>
الإصلاح ووحدة المسلمين سبيل الفلاح
في ذكرى وفاة
السيد محسن الأمين (قده)
*
الإصلاح
ووحدة المسلمين سبيل الفلاح
العلامة
المرجع السيد محمد حسين فضل الله
التاريخ بين
الجمود والحركة
من التاريخ ما لا يعطيك
إلا بعض النبضات التي قد ينبض فيها قلبك،
وقد تعيش فيها بعض خواطرك ثم يطويها
الزمن، لأنها كانت بنت اللحظة؛ لحظة
العمر الذي عاشه التاريخ هذا أو ذاك. ومن
التاريخ ما يدفع بك إلى أن تظل تدرس واقعك
لترى فيه ما يحرك هذا الواقع، لأنّه كان
يتطلع إلى الأفق البعيد، لأنه كان
إنساناً في كل تطلعاته وفي كل حركته وفي
كل إنتاجه، وعندما يكون التاريخ إنساناً
في معنى العقل الذي يبدع، وفي معنى القلب
الذي يحب، يعطي الإنسان كل شيء ولا يمنحه
مجرد شيء للاستهلاك من التاريخ. ونحن
نعيش تاريخنا الذي نستهلكه، لأننا فقدنا
صفة أن ننتج تاريخاً جديداً في حركية
التأريخ، لأننا تربينا على أن نكون أمة
الاستهلاك لا أمة الإنتاج.
السيد الأمين
حرّك.. ورُجم
السيد محسن الأمين منذ
طفولته كان وعداً في التاريخ، فعندما
تقرأ سيرته، وهو من أفضل من كتب السيرة،
تجد أنّه كان منذ بدايته طالباً للعلم،
كان يملك الحس النقدي ولم يغب مع الخيال،
كان يحدق بالواقع وإن كان شاعراً يحلق. في
مدرسته الأولى التي عاشها في بنت جبيل،
ومع كل أساتذته، كان يلاحق كل الأمور،
حتى أمور نساء الضيعة اللاتي يخبزن
ويحملن الماء فوق ظهورهن، وكان يسجِّل
نكاتهن. كان يريد بحسه النقدي، أن يفهم
واقعه في تطلّعٍ أن ينتج واقعاً جديداً
للمستقبل. قد لا يكون ذلك شيئاً في داخل
مشروعه، ولكنه كان في منطقة ما يسمى
اللاشعور أو العقل الباطني، الذي يمثل،
في كثير من الحالات الإنسانية بعيداً عن
المصطلحات، عنصر العمق في الإنسان الذي
يكتب مستقبله من أجل أن يعيشه. كان ما
يميز السيد محسن الأمين هو هذا الحس
النقدي الذي يحاول فيه أن ينقد ما حوله،
ليس نقد العقدة الذي عشناه ولا نزال
نعيشه، فنحن نتعقّد ولا ننقد، نحن نحاول
أن ننفِّس عن العقدة حتى لو تحدثنا عن نقد
فكر، لأننا لا نريد أن نحرك الفكر ليصادم
فكراً آخر لنعرف معنى الصدام لمصلحة
الفكر. كنا نريد، ولا نزال، أن ننقد الفكر
لنسقط المفكر، النقد عندنا عقدة، النقد
عندنا حالة رجم، حتى وأنت تتحدث عن الفكر
فإنك تتحدث عن الذات باسم الفكر، وتحرك
ذاتك على أساس أن تحرك فكرك.
لم أجد في السيد محسن
الأمين، حتى مع الذين خاصموه، شيئاً من
الحقد، وأتذكر أنه كان هناك في العراق
خطيب كبير جداً يهاجمه، وربما كان
يُكفِّره ويُضلّله ويثير الناس من حوله،
ولكن السيد كان يتحدث عنه ويقول:إنه خطيب
جيد، ونحن نحاول أن نسير على منهجه
وأسلوبه لنربي خطباءنا على طريقته. أما
موقفه معي فهذا شيءٌ آخر {ولا يجرمنكم
شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب
للتقوى} [المائدة/8].
وفي هذا الجو نتساءل:
أين هو العدل في مجتمعاتنا حتى الدينية؟
ويكتسب السؤال مشروعية لأننا صادرنا
الدين باسم الذات، عندما نقرأه، نجد أنه
كان يحاول أن يكون الشخص الذي يدخل في كل
علمٍ ليثير فيه شيئاً جديداً ولو في
الأسلوب. كتب كل ما درس، وكان الفقيه
والمرجع من دون أن يلبس الثوب الفضفاض
للمرجعية، كان المرجع بعفوية وبساطة
وإنسانية، كانت الفتوى عنده حالةً تتحرك
في احتياجات الناس، ولم تكن استعراضاً
لما يملك من اجتهاد. ومن ذلك، مثلاً، ما
حصل عندما كان الوسط الفقهي كله، في
الدائرة الإسلامية الشيعية، يقول بنجاسة
الكافرين، ولكنه تقدَّم بكل هدوء ليقول
بالطهارة، لأن الإنسان يبقى طاهر الجسد
حتى لو كان قذر الفكر، فقذارة الفكر شيء
وقذارة الجسد شيء {إنما المشركون نجس} [التوبة/28]
إنها نجاسة الفكر وليست نجاسة الإنسان.
ومر الرأي ولم يلتفت إليه أحد، وإلا كان
لهم منه موقفٌ آخر.
فكرٌ للجميع
كتب الكثير، وتنوع في
كتاباته، حتى أنه كان عندما يقرأ كان
يفعّل ويستثمر ما يقرأ، ولأنّ بعض الناس
يحبُّون الكشاكيل المعرفية، جاء كتاب «معادن
الجواهر»، هذا الذي يمكن أن يقرأه
الإنسان الذي يحمل ثقافة بسيطة، كما يمكن
أن يجد فيه من يحمل ثقافة عالية بعض ما
ينفعه في ذلك، كان يشعر أن عليه أن يكتب
كل شيء في عقله وكل شيء في قراءته، لأن
همه لم يكن في أن يستعرض عضلاته العلمية
وإمكاناته الثقافية ليزهو بها على
الناس، كان يعلن أن العلم للناس، وعلى
العالم أن يبذل كل علمه للناس، لأن
المسألة هي أن العلم أمانة الله عند
العالم.
كان من أعظم العلماء،
فهو السيِّد محسن الأمين المجتهد
الموسوعي في ثقافته، الرجل الكبير في
مجتمعه، المرجع في موقعه الإسلامي، ورغم
ذلك كله، تحدث مع أقلِّ الناس ثقافةً،
فكان يدخل إلى المدرسة المحسنية
والمدرسة اليوسفية وهو يلبس لباس المعلم
ليعلِّم الطالبات الصغيرات والطلاب
الصغار دروس الدين، تماماً كما يعلِّمها
أي معلم، من يفعل ذلك؟ تلك إنسانيته،
إنسانية العالم في حياته أن لا يتكبر على
الصغير في ما يحتاج إليه من علم، لأن
الإنسان كلما كان عالماً أكثر، لا بد أن
يكون متواضعاً أكثر، لأن العلم عندما
ينتفخ كعقدة في شخصيتك تصغر الإنسانية
عندك في وجودك.
وهكذا - أيها الأحبة -
عاش في النجف مدةً ليست طويلة، ولكن كل
دقيقة قضاها كانت بعيدةً عن الفراغ، كان
يأتي إليه رفاقه ليشربوا عنده الشاي
فيطلّ عليهم من النافذة ويقول: «خذوا ثمن
الشاي واشربوه في بيوتكم لأن لديَّ دراسة
وقراءة، ولست فارغاً من ذلك». ولهذا جمع
في هذه السنين القليلة ما لم يجمعه
الكثيرون في سنين طويلة.
في دمشق:
إصلاحٌ وتربية
وجاء إلى دمشق بطلبٍ من
المسلمين في دمشق، في الحيِّ الذي سُمّي
باسمه، ولم يأتِ من أجل أن يكون عالماً
تقليدياً يعيش جمود «التقليديّة» في
الدور الذي يمارسه أمثاله آنذاك، إذ بدأ
بدراسة مشكلات هذا المجتمع ليخطِّط كيف
يعالجها، وقد تحدث هو في مذكّراته وفي
سيرته أنّه واجه الأمّيّة في هذا
المجتمع، ولم تكن مجرد أميّة الحرف، لأن
الكتاتيب كانت تتكفل بمواجهة أمية
الحرف، بل أمّيّة الثقافة. كان يفكر بأنّ
هناك تطوراً جديداً في المناهج وفي وسائل
التربية وفي حركة الفكر في العالم
المعاصر، لذلك بدأ يفكر بالمدرسة، وبذل
جهداً كبيراً من الناحية المالية في
تأسيس المدرسة المحسنية واليوسفية، في
وقت كان تحريم تعليم البنات قضية شرعية
تشمل أكثرية العالم الإسلامي، فالمفهوم
السائد هو أن البنت للبيت وللزوج وليست
للحياة، ودورها أن تنتج للأمة أولاداً لا
أن تنتج للأمة أفكاراً وعلماً وإبداعاً،
كانوا يقولون إنّها ناقصة العقل لأنها لا
تستطيع أن تصنع عقلاً أو تنتج عقلاً،
وكان يفكر بغير هذه الطريقة، كان يشعر
بأن المرأة إنسان، وأن الله لم يفرِّق
بين إنسانية المرأة وإنسانية الرجل،
وأنَّ الله حمَّل المرأة مسؤولية كما هي
مسؤولية الرجل، وأن قضية القوامة هي قضية
إدارة في داخل الأسرة لا في حركة الحياة،
فالرجل إنسان لا بد أن يتحمَّل مسؤولية
كل إنسانيته، وفي قمة إنسانيته مسؤوليته
عن عقله، أن يربّيه وينمّيه، وأن يجعله
منتجاً متحركاً في كل الآفاق، متطوراً مع
كل مواقع التطور.
وفي المقابل، فإن
الرجل والمرأة على حدٍّ سواء، وعندما
تتساوى المسؤولية يتساوى البعد الإنساني.
قد يكون هناك خصائص للمرأة وخصائص للرجل،
أما في الإنسانية فهما سواء، لذلك كانت
مدرسة البنات وكانت مدرسة الصبيان.
أتعرفون أنه لولا المدرسة المحسنية
والمدرسة اليوسفية، لما رأينا في تلك
المنطقة المستضعفة المنكوبة البعيدة عن
كل واقع المدينة، مثقفاً أو مثقفة. كل
هؤلاء المثقفين، حتى من غير سكان
المنطقة، هم من نتاج السيد محسن الأمين،
ولا يزال ينتج بعد فراقه للدنيا.
السيد
التقدّمي
لذلك، أيها الأحبة، إن
السيد محسن الأمين منهجٌ يتطلَّع إلى
حركة العصر في تطوّراته التربوية، السيد
محسن الأمين المنهج يحركنا من أجل أن
نتطوّر؛ أن نتطور في دراستنا وفي أساليب
التربية، وأن نتطلع دائماً إلى كل ما
ينتجه الإنسان في ذلك كله، حتى نستطيع أن
نكون جزءاً من هذا العالم، وأن يكون
الإنسان جزءاً من العالم يعني أن يحمل ما
يمثله هذا العالم من كل عناصر التقدم
والإبداع، ولذلك نستطيع أن نعطي السيد
محسن الأمين كما أعطاه المرحوم العلامة
الشيخ محمد رضا الشبيبي صفة التقدمي، لأن
مسألة أن تكون تقدمياً هو أن تظل تواكب
حركة الفكر السائر إلى الأمام، بقطع
النظر عمّا إذا كنت توافق هذا الفكر أو لا.
ليست مسألة أن تكون تقدمياً أن تخضع لما
ينتجه الآخرون من أفكار، بل أن تواكب
حركية الفكر حتى وأنت تنقده أو تختلف
معه، ولكن في النهج نفسه.
وهكذا - أيها الأحبة -
كان يقول: وجدت الحزبية في ذلك المجتمع،
فهناك أحزاب تتناحر، ورأيت أن أبسط حلٍّ
هو أن أساوي بين الجميع، فكنت للجميع من
دون تفضيل لأحدٍ على أحد، واستطعت أن أصل
إلى نتيجة كبيرة في هذا الاتجاه، لأن
مسألة القيادة أياً كانت في موقعها، لا
بد أن تتحمل في إنسانيتها إنسانية
الآخرين حتى لو اختلفت مع عناصر
إنسانيتهم كبراً أو صغراً.
خطوط الإصلاح
الثلاثة
ثم كانت المسألة،
مسألة الإصلاح، وكان يتحرك في خطوط ثلاث:
الخط الأول خط التاريخ الذي تختلط فيه
الخرافة بالحقيقة والصدق بالكذب، وخط
الخطباء الذين لا يملكون الثقافة
الإسلامية الواعية التي يستطيعون من
خلالها أن يعطوا الناس ثقافة إسلامية
ناضجة، لأنهم لا يملكون النضج الثقافي،
بل هم أشبه بالأميين في كثير من نماذجهم،
وهم الذين يريدون استلاب الناس بالعاطفة
وبالخرافة، حتى يتعاملوا مع غرائز الناس
لا مع عقولهم. وكانت المسألة الثالثة هي
ما تعارف في قرية «راوية»، وهي المشهورة
بمرقد السيدة زينب (ع)، من ضرب الرؤوس،
وجرحها بالسيوف، والظهور بالسلاسل،
واستعمال الأساليب المتخلّفة التي لا
علاقة لها من قريب أو بعيد بالحسين(ع)
وبالحزن الحسيني وبكل ما يرتبط به، وأعلن
السيد الأمين يومها أن ذلك ما هو إلاّ
مجرَّد تخلُّف في تخلف. ومشكلة ذلك كما
يقول السيد محسن الأمين أنه أُلبس لباس
الدين، ومشكلة الدين هي عندما يلبسه
التخلف، وعندما تحيط به الخرافة، وعندما
يحركه هؤلاء الذين لا يعيشون معناه في
حركة الإنسان في تجديد الأساليب، وكان
يرى أنه حتى الحزن يحتاج إلى تجديد في
أساليبه، والفرح كذلك، ولكن بعض الناس
يحب الجمود، لأنه يخاف من الغربة عندما
تتغير الأحوال، على طريقة قول المتنبي:
خلقت ألوفاً لو رجعت
إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
فإذا ألفتَ التخلف
فإنك سوف تبكي بدموع حمراء على مفارقتك
له، وهذه هي مشكلة التخلف في جانبه
العاطفي، كما في جانبه الفكري.
وبعد هذا الموقف، ثارت
عليه الدنيا وكُفّرّ وزُندق، وقيل إنه
عدوٌّ الحسين، وقيل عنه زوراً وبهتاناً
إنه يريد أن يصادر مجالس العزاء ويريد أن
يصادر كل كربلاء وعاشوراء، ذلك لأنهم
اختزلوا كل عاشوراء مجتمعة في سيف يضرب
الرأس أو سوط يضرب الظهر، هذا هو الفهم
لعاشوراء؟.
الحاجة الآن
إلى مثله
ونحن - أيها الأحبة -
بحاجة إلى السيد محسن الأمين الآن، لأنّ
الكثير من هؤلاء المتخلّفين والخرافيين
لا يزالون يعيشون بيننا، يحرّكون هذه
الممارسات المتخلّفة باسم القداسة، وما
نزال نسمع الفتاوى هنا وهناك أنها حلال
وأنه فيها ثواباً وما إلى ذلك، والأمة
تسقط حتى الآن!! هناك الكثيرون ممن تدفعهم
العصبية المتخلفة الضيقة إلى أن يفرضوا
على الأمة مثل هذا التخلف، وأن يحاربوا
كل المصلحين بكل الكلمات التي حاربوا بها
السيد محسن الأمين، ولكن بقي السيد محسن
الأمين وسقط التخلف، حتى لو كان لا يزال
يزحف من خلال زاوية هنا وزاوية هناك. ولكن
عندما تنفتح الأمة على الأفق الواسع
للمستقبل تتهدم كلُّ الزوايا وكل
الزنازين الفكرية والخرافية.
السيد الوطني
وعلى هذا الخطّ، برز
السيد محسن الأمين وطنياً بكل ما لكلمة
الوطنية من معنى، كان وطنياً، ولم يكن
يعتبر أن معنى أن تكون وطنياً، تعمل
لتحرير وطنك ولتحرير أمتك وتعمل من أجل
التقدّم، أن تختلف عن أن تكون إسلامياً،
لأننا عشنا في ثقافة حركية حملتها بعض
الاتجاهات الإسلامية التي كانت لا تجوّز
لك كإسلامي أن تكون وطنياً، لأن
الإسلامية بنظرها لا تلتقي مع الوطنية،
ولكن لماذا لا يفكر هؤلاء أن الوطن هو وطن
المسلمين والمستضعفين وكلّ الناس الذين
يلتقي معهم المسلمون على كلمة سواء، ماذا
عن معاهدة المدينة حين ضم رسول الله (ص)
اليهود إلى المسلمين؟ فكان عهده (ص) لهم
وللمسلمين على حدٍّ سواء، لهم للمسلمين
وعليهم ما عليهم، كانت معاهدة المدينة في
البداية فيها شيءٌ من الوطنية وإن لم
تأخذ إيديولوجية الوطنية آنذاك. كانت
معنىً إسلامياً يقول لك إن عليك أن تكون
إنساناً في الحقوق والواجبات مع كل الذين
تعيش معهم في وطن واحد، حتى لو اختلفوا
معك في أديانهم أو في أفكارهم، وفي هذا
الإطار، كان السيّد الأمين يندفع بكل قوة
مع الحركة الوطنية في سوريا.
مع الفرنسيين
كان الوطنيّون يجتمعون
إليه، وفيهم السياسيون والصحافيون،
وكانوا يخطِّطون، وكان يعطيهم توجيهاته
في التخطيط من أجل التحرك لإزالة
الاحتلال، حتى قالوا له ذات يوم: «أخرج
فتكلَّم في الناس»، فقال: «ليس من عادتي
ذلك، لكن هذا كلامي بلِّغوه للناس». وكان
الإضراب الخمسيني الذي هزّ الاحتلال
آنذاك وهزّ شركة «الجر والتنوير» حصيلة
جهد السيد محسن الأمين في تعاونه مع
الحركة الوطنية.
جاء إليه ذات يوم أحد
القادة الفرنسيين وتكلم معه بشكل سلبي ضد
بعض السياسيين الذين كانوا موضع احترام
آنذاك، وهو الملك فيصل الأول، فماذا كان
ردُّ السيد محسن الأمين عليه في تلك
المرحلة؟ وتذكروا أننا نتكلم عن مرحلة قد
تصل إلى ما يقارب القرن، فقال له: إنك ضيف
في منـزلي، وحرمة الضيافة وحدها تمسكني
عن إهانتك، ولكن أيها الفرنسيون، تأكدوا
أن التاريخ لم يسجّل أن القوة استطاعت
الانتصار على الحق انتصاراً أبدياً، ولا
بد للعرب في سوريا أن ينتصروا في النهاية
بحقهم على قوتكم.
هذا كان خطابه لأحد
القادة الفرنسيين الذي التقاه حينذاك.
وكذلك كان منفتح الأفق على الأخلاق
الأوروبية الحميدة. فمن منَّا يمدح
الأوروبيين من علماء الدين؟ لقد كان
السيد الأمين يثير الإيجابيات لدى
الآخرين، ولنقرأ هذا النص الذي نقله عنه
شخص ثقة كان يصاحبه، وهو «وجيه بيضون»،
الذي ينقل أن السيد الأمين قال مرة لبعض
من حوله: «أتدري ما سر نجاح هؤلاء
الساكسونيين؟ لقد أخذوا عن الإسلام ثلاث
فضائل هي قوام ما بلغوا من قوة ومنعة،وهي
التفكير العميق، والعزم المصمم، والثبات
الدائم، فهم يفكرون ملياً ثم يعزمون
عزماً أكيداً، وما إن يجنحوا إلى العمل
حتى يثبتوا ثباتهم العجيب، إلى أن يفوزوا
بالغايات والمطالب». كأنه كان يطلب منّا
أن نحرّك فضائل الإسلام ولا نجمدها،
وكأنّه كان يقول هل عندنا عزم أكيد؟ هل
عندنا عقل يخطِّط ويفكر؟ هل عندنا ثبات
على ما نتفق عليه؟ ونظل نقول أمام كل هذه
الهزائم السياسية والثقافية والأمنية،
نظل نقول هذه الكلمات التي تفرض نفسها
علينا، لا لأننا نريد أن نتحدث عن
الآخرين كما لو كانوا قوة لا تقاوم، ولكن
أن نتحدث عنها نحن وهذه هي فضائل الإسلام.
السيد الأمين
والوحدة الإسلامية
كان وحدوياً إسلامياً،
فقد تحدث عن الإسلام في ساحته الواسعة،
فاعتبر أن المسلمين أمة واحدة قد يختلفون
في اجتهاداتهم، ولكنهم يلتقون في أكثر
العقائد والشرائع والمناهج، وكان يعتبر
تنوّع الآراء الذي يرتكز على أساس علم
واجتهاد هو غنىً للمبدأ الذي ينتمي إليه.
إنك كلما فكرت بطريقة علمية موضوعية،
وكلما أطلقت اجتهادك وكلما انفتحت على
الرأي الآخر، وكلما اعترفت بالرأي
الآخر، كلما أغنيت تجربتك أكثر، أما إذا
كنت متعصباً، تغلق عقلك في زنزانة
انتمائك، فلا تسمع للآخرين، ولا تقرأ ما
عندهم، ولا تعترف بهم، فما ذلك إلا
اجترارٌ لنفسك بنفسك، وأنتم تعلمون ما
نتيجة الاجترار الذاتي للذات.
كان وحدوياً إسلامياً،
وكانت الوحدة عنده منهجاً ولم تكن مجرد
شعار يُستهلك في العلن ويُكذَّب في
السّر، على طريقة: {وإذا لقوا الذين آمنوا
قالوا آمنَّا وإذا خلوا إلى شياطينهم...} [البقرة/14]
قالوا كنا نضحك عليهم. ونحن للأسف نعيش
هذه الوضعية، ففي الداخل، نكِّفر بعضنا
بعضاً، وقد يطفو التكفير على السطح، وفي
الخارج نتحدَّث عن الإسلام الواحد.
الوحدة
الحقيقية
كان منهجه في الخلاف
الإسلامي - الإسلامي هو أن ينطلق
المسلمون، وعلماؤهم بالذات، للدراسة
الموضوعية لكل فكر هنا ولكل فكرٍ هناك،
من أجل الوصول إلى الحقيقة، لا من أجل
تسجيل النقاط على بعضنا البعض، كما هو
الأسلوب الجدلي الذي لا يريد الوصول إلى
نتيجة. كانت المسألة عنده كن سنياً ولكن
مسلماً قبل ذلك، حتى تكون سنيتك في دائرة
إسلامك، كن شيعياً ولكن مسلماً قبل ذلك،
حتى تكون شيعيتك في دائرة إسلامك، حتى
إذا تحدثت عن التشيع نظرت إلى الإسلام
لتقيس تشيعك بمقياس الإسلام ونظرت إلى
الإسلام لتقيس تسننك بمقياس الإسلام،
أعط شيعيتك وتسننك نبضاً إسلامياً، نكهة
إسلامية، فكراً إسلامياً... عند ذلك سوف
تكون مسلماً موحِّداً ولكن في وحدة
التنوع، لنكون جسداً واحداً، ولكنّه جسد
واحد يتنوَّع في أجهزته وتتكامل كل
الأجهزة من أجل أن تعطي هذا الجسد
الواحد، أن تعطيه حياته وعناصر استمراره.
كيف يفهم المسلمون
بعضهم بعضاً؟
كان يقول ادرسوا
التشيّع، أيُّها السنة، في مصادره
الأصلية، وفي المصادر الشيعية صدق وكذب
وخرافة وحقيقة، وادرسوا التسنن، أيها
الشيعة، في مصادره الأصلية، وفي المصادر
السنية صدقٌ وكذب وخرافة وحقيقة، وقد كثر
الوضّاعون عند الشيعة وعند السنة، وقد
ألّف العلماء الأتقياء، من السنة ومن
الشيعة، كتباً عن الوضع والوضّاعين، لأن
التاريخ الإسلامي ابتلي بالوضع في
العقائد والشرائع وفي التاريخ، ولا نزال
نتغذى على مائدة أكثر من تراث موضوع من
قبل الذين يكيدون للإسلام وللمسلمين.
ادرسوا ذلك، أصّلوا النص في وثاقته، وفي
مضمونه، وفي المنهج الذي يمكن أن يتحرك
فيه، وبعد ذلك التأصيل تحدثوا مع الآخر،
عندها تنفتحون على الحقيقة القرآنية: {فإن
تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء/59]
وافهموا ما قال الله والرسول، ووّثقوا ما
جاء عنه، وافهموا ما جاء عن الرسول.
لذلك ليست المسألة هي
أن يخفي الشيعة أفكارهم عن السنة، أو
يخفي السنة ما عندهم من أفكار عن الشيعة،
إن العلم يفرض عليك أن تتحرك في صراحة
مطلقة. في العلم لا مجال للف والدوران،
وفي العلم لا مجال للكذب والتكاذب، لا بد
أن نطرح الفكرة كما هي، ولكننا منذ مئات
السنين، أيها الأحبة، نحاول أن نلتقط من
كتب السنّة ما نسجّل به نقطة عليهم، ومن
كتب الشيعة ما نسجِّل به نقطة عليهم.
وينطلق المكفِّرون هنا وهناك، ونحن نعرف
مَنْ وراء المكفِّرين، أتعرفون أن
المخابرات الدولية لها جامعات دينية،
وجامعات تاريخية، وجامعات في مقارنة
الأديان، وما إلى ذلك، لتدرس كل خلافاتنا
وكل عصابياتنا؟
الحرب على
التفرقة الطائفية
في ضوء ذلك، كان السيد
محسن الأمين يركّز على المنهج، لقد قرأ
أحمد أمين في «فجر الإسلام» وقرأ موسى
جارالله في «الوشيعة»، وقرأ محمد ثابت
والكثيرين، حتى إنه قرأ الوهابية، ولم
يتحدث بطريقة استهلاكية أو عصبية، ولكنه
قال: «إن الكثير مما نسبتموه إلينا لا
يمثل حقيقة ما نحن فيه، ادرسوا ذلك ونحن
مستعدون للحوار». كان يحاول أن يصحِّح
الفكر الذي يحمله الآخر عن الفئة
الثانية، حتى يكون الحوار منطلقاً من
خلال واقع يرتكز على الصدق وعلى
الموضوعية والعقلانية لا على الغرائزية.
ونحن نعتقد أنه لا بد لنا أن ننهج سبيل
العقل، لأن العالم الذي يضج بالأفكار
المتناقضة المتضادة، حتى الفكر
العلماني، أصبح يتحرك بالعقل الهادىء
الموضوعي في كل تحركاته. وإذا كان الأمر
كذلك، فماذا يبقى عندنا؟ حسب الظاهر، لم
يبق عندنا إلاّ العقل الدخاني الذي يعمل
دائماً على أن يبقى حاراً حتى في أوقات
الثلج، وأنتم تعرفون أن الأبخرة عندما
تتساقط على العقل تحجب عنه وضوح الرؤية،
ونحن نعيش الأبخرة العصبية والطائفية
والمذهبية التي تحجب عنا وضوح الرؤية.
كان السيد الأمين
وحدوياً، وعندما جاء الفرنسيون ووضعوا
قانوناً للطوائف، بادر جمع من علماء دمشق
ورفضوا هذا القانون، وخضع الفرنسيون
لهذا الرفض، وأصدر الفرنسيون بياناً
يلعبون فيه على مسألة الفِرقة بين
السنَّة والشيعة، فقالوا إن هذا الرفض
وإلغاء القانون جاء ليطال السنيين وليس
الشيعيين. وأرسل السيد محسن الأمين مذكرة
احتجاجية للمندوب السامي الفرنسي يرفض
فيها القانون قائلاً: إنني بصفتي المرجع
الروحي للمسلمين الشيعة في سوريا وفي
لبنان، أحتجُّ على هذا القانون وأحتجُّ
على هذه التفرقة بين المسلمين، لأننا أمة
واحدة وعلى دين واحد، فلا نسمح لكم أن
تفرقوا بين السنة والشيعة، لأننا في
القضايا الإسلامية نمثل فريقاً واحداً.
وسقطت المؤامرة الفرنسية، ثم جاء
الفرنسيون بأسلوبٍ آخر، ليجتذبوه في خط
الإغراء، وقالوا له: إننا نريد أن نؤسس
مجلساً ملياً للشيعة، وقد عيّناك بمرسوم
رئيساً لعلماء الشيعة في سوريا وفي لبنان.
وجاءه المندوب بالكتاب، ورفض الكتاب
وقال: «هذا أمرٌ لا أخط فيه بقلم، ولا
أنطق فيه بنعم ولا أتحرَّك فيه». وجاءه
بعض العلماء من لبنان، كما يذكر في
مذكراته، وعاتبوه على ذلك، على أساس أنّ
هذه فرصة كي يكون للشيعة كيان مستقل
ومجلس ملّي خاص بهم، فقال لهم: «إن
المسألة هي أنهم يريدون أن يكيدوا
للإسلام والمسلمين بهذا النوع من
التفريق في الموقع الرسمي بين السنة
والشيعة. نحن مسلمون لنا ما للمسلمين
كلهم وعلينا ما عليهم كلّهم»، ورفض ذلك
أيضاً.
كان وعيه الوحدوي
الإسلامي وعياً يتحرك في المسألة
السياسية كما يتحرك في المسألة الثقافية.
وقد نقل عنه، وسمعت هذا من الدكتور
المرحوم «مصطفى السباعي»، عندما اشتركت
وإياه في تأبين المرحوم السيد محسن
الأمين في سنة 52 في بيروت، أي منذ خمسين
سنة، حين وقف، وقال إن شخصاً جاء إلى
السيد محسن الأمين وقال له: «أريد أن أكون
شيعياً»، فقال له: «لا فرق بين السنة
والشيعة، فكلنا مسلمون»، وأصرَّ الرجل،
فقال له: «إن كنت مصراً فاجلس أمامي وقل
أشهد أن لا إله إلا الله»، وقالها الرجل،
ثم طلب منه السيد أن يقول: «اشهد أن
محمداً رسول الله»، فقالها الرجل، فقال
السيد ساعتئذ: «لقد أصبحت شيعياً»، لأن
مسألة ما يختلف فيه السنة والشيعة هي
مسألة ماذا قال رسول الله (ص). كلنا نؤمن
بالله وكتابه وبالنبي (ص) وسنته، ولكن
المسألة أننا اختلفنا في فهم وتوثيق ما
جاء عن الرسول (ص)، لذلك كن الإنسان الذي
يعيش الشهادتين عقيدةً وفكراً وانتماءً،
من خلال الشهادتين، لا من خلال هذه
العصبيات التي يعيشها المسلمون. كان
وحدوياً منفتحاً، حتى إنه في كل حواراته
في المسألة المذهبية كان يتحرك
بالمذهبية الفكرية، لا المذهبية
الطائفية. ونحن مشكلتنا في المذهبية
الطائفية وليست مشكلتنا في المذهبية
الفكرية، لأن الطائفية عشائرية غرائزية
وليست ديناً، أما المذهبية الفكرية فهي
غنى فكري ينفتح فيها العقل على العقل.
القضية
الفلسطينية
وكان للقضية
الفلسطينية دورها الكبير في نشاطه وفي
مواقفه، ولو قرأتم البيان الذي أصدره
السيد محسن الأمين في أواخر الأربعينات
أو في أوائل الخمسينات، والذي وجهه إلى
العرب والمسلمين في ما يتعلق بالقضية
الفلسطينية، لرأيتم أنه كان يرصد
المستقبل في كل أخطاره على الأمة كلها،
وكان في فتواه يُحمّل الأمة كلها مسؤولية
دعم القضية الفلسطينية بالمال وبكل
الوسائل. كان ينفتح على القضية
الفلسطينية باعتبار أنها القضية التي
تمثل مركز الدائرة في الواقع الإسلامي
كله.
لذلك عندما نتحدث عن
السيد محسن الأمين، نتحدث عن العالم
والمرجع الموضوعي العقلاني، التقدمي،
المجدد، الوطني، الفلسطيني، الإسلامي،
الوحدوي الذي يعيش عزة الإسلام، والتي
تمثلت في كلمة نطق بها عندما قيل له إن
الفرنسيين سوف يقدمون إليك بيتاً واسعاً
وسيارة فارهة ومعاشاً كبيراً ترتاح فيه
وتطمئن على حياتك. فماذا كان جوابه؟ لقد
قال (رحمه الله): «إني موظفٌ عند الله، ومن
كان موظفاً عند الله لا يمكن أن يكون
موظفاً عند المندوب السامي»، وكم من
الناس يتحركون بهذا الجواب؟.
لقد كان السيد الأمين
الشخص البرنامج، الشخص المنهج، الشخص
الذي كان حركة منفتحة على قضايا الإنسان
والواقع، وكانت إنسانيته تنفتح على
إسلاميته، وكانت إسلاميته تنفتح على
الواقع ممَّن حوله.
وهكذا - أيها الأحبة -
إذا أردتم أن تحتفلوا به، فلا تجعلوا
الاحتفال مجرد كلمات وكلمات، لكن
حوِّلوا الواقع إلى أن يكون شيئاً من
محسن الأمين.
والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
* كلمة ألقيت
في مهرجان ذكرى وفاة السيد محسن الأمين (قده)
والذي أقيم في الشام بتاريخ 24 شوال 1423 هـ
الموافق 28/12/2002م
|