بسم الله الرحمن الرحيم
الإسراء والمعراج
رحلة العلم والمعرفة
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسّلام على
سيّدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع
أنبياء الله والمرسلين. السلام عليكم أيُّها الأخوة المؤمنون والأخوات
المؤمنات ورحمة الله وبركاته.
المبعث النبويّ: يوم ولادة الإسلام
هذا هو يوم الفرح الأكبر، لأنّه يوم ولادة الإسلام
الذي أراد الله تعالى للناس أن ينفتحوا عليه، لتنفتح عليهم بركات
السماوات والأرض، وأن يهتدوا به في الخط العام للهداية، في الإيمان بالله
ورسوله ورسله ورسالاته وكتبه واليوم الآخر، وفي الخط العملي في حركة
التشريع الّذي أراد الله سبحانه للناس أن يأخذوا به على أساس أنه هو الذي
يمثل الحياة الحقيقية، والتي عبّر الله تعالى عنها في قوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}(الأنفال:24). فالدعوة الإسلامية هي دعوة
للحياة؛ الحياة الثقافية التي تنفتح بالإنسان على المعرفة.
ولعلَّ السيرة النبويّة تتحدث، أنّ أول كلمة نزلت
من الله سبحانه وتعالى في أوَّل لحظة من لحظات الرسالة هي كلمة "اقرأ":
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ
عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ *
عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(العلق:1-5).
ولذلك، فإنّ الإسلام انطلق من أجل أن يخرج الناس
من أمية الفكر والحرف والإحساس والشعور، ليكون كلُّ مسلم مثقفاً بكل ما
تتحرّك به مسؤوليته في الحياة، إن من حيث مسؤولية الإيمان بالله ورسوله
واليوم الآخر، أو من خلال الخطِّ الأخلاقي والروحي والسياسي والاجتماعي
والاقتصادي والأمني الذي يريد الله تعالى للناس أن يسيروا فيه.
لذلك أيّها الأحبة، إنّ مسألة الإسلام هي مسألة
وعيٍ وعلمٍ ومعرفةٍ لا بدَّ للناس من أن يأخذوا بها، وليس للإنسان المسلم
الحرّيّة في أن يكون جاهلاً أو يكون متخلّفاً، لأنّ الإسلام يؤكّد العلم
كأساس لتقويم الأفعال. إننا نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: {هَلْ
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}(الزُّمر:9)، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
عِلْمًا}(طه:114)، {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ
العُلَمَاءُ}(فاطر:28).
تطبيق العلوم الحياتية
ولهذا، على كلّ من ينتمي إلى الإسلام أن يشغل وقته
بالعلم، وكلٌّ بحسب الوسائل المتاحة له، فقد لا يستطيع بعض الناس أن يدخل
جامعةً، ولكن يبقى بإمكانه أن يستفيد من جامعة الحياة، بالانفتاح على
تجاربها، ليأخذ من كل تجربة فكرةً ودرساً، فإنّ ذلك يمثّل علماً متحركاً
يبني له فكره وروحه. كما يمكنه أن يجعل من علاقته بالناس الذين يعيش معهم
ويعيشون معه، حركة حوار في كلِّ ما تتصل به مسؤوليته، وكلّ ما ينبغي
للإنسان معرفته.
فلتكن احتفالاتنا بالمبعث النبويّ الشريف بدايةً
لحركة علمية يحاول كل إنسان فيها أن يدرس مقدار ما يملكه من معرفة،
ليستزيد منها بحسب طبيعة الوسائل التي يملكها. وعلينا أن نعرف أن مسألة
المعرفة لا تتّصل فقط بالجانب الثّقافيّ، بل بالجوانب الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية أيضاً، لأنّ كل هذه العناوين في حركة الإنسان في
الحياة ترتبط بحجم المعرفة التي يملكها. فمثلاً، عندما نمارس المسألة
السياسية على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي، نجد أنّها تخضع
لخطوط فكرية ولكثير من الأوضاع والعلاقات والتخطيطات التي يخطِّط لها
الآخرون أو التي يجب أن نخطِّط لها نحن، فإذا لم تكن لنا المعرفة
السياسيّة والثّقافيّة، فسوف نتخبّط في العمل السياسيّ، وسوف يبقى العمل
السياسيّ الإسلاميّ مجرّد هتافات وانفعالات وحماس. فالثقافة السياسيَّة
العميقة المنفتحة، هي الَّتي يمكن أن تثبِّت أقدامنا في كلّ مواقع
الزلزال السياسي الذي يراد له أن يهزَّ الأرض تحت أقدامنا. لذلك نقول
إنّه لا سياسة بدون ثقافة أو علم، أو بدون انفتاح على كلِّ الواقع الذي
نتحرّك فيه.
وكذلك الأمر عندما ندخل إلى الواقع الاجتماعي، في
داخل العائلة، أو في داخل التجمّعات المتنوّعة هنا وهناك، في المدينة أو
في القرية أو في الوطن كلّه، إذ لا بدَّ لنا، لكي نركّز الخطوط
الاجتماعية التي يمكن أن تجعل من هذا التجمع الإنساني المختلف في كثير من
خصوصيات أفراده، واقعاً متوازناً قوياً يمكن أن يواجه كلّ التباينات
والتناقضات والأوضاع القلقة التي تحيط به، لا بد من التّخطيط المنطلق من
وعي الأوضاع والخلفيات والعلاقات الاجتماعية، حتى نستطيع التّخطيط لمجتمع
يمكن أن يلتقي على القواسم المشتركة التي تمثّل المصالح العامة للجميع،
ويتحرّك في خط الحوار الموضوعي العقلاني في كل ما يختلف فيه الناس، وهو
ما يمثِّل ضمانةً لسلامة أيّ مجتمع، ويمنع الذين يتحرّكون في داخله من أن
يهزّوه بالإشاعات والانفعالات والعصبيات.
إنَّ مشكلة التخبط الاجتماعي الّذي نعانيه،
والفوضى الاجتماعية لدينا، هي مشكلة جهل يحاول أن يغطي نفسه بالعصبيات،
وتخلّف يحاول أن يحمي نفسه بالكثير من الانفعالات، لهذا عندما تريدون
مجتمعاً مستقراً ثابتاً متوازناً هادفاً موحَّداً، فلا بدّ لتحقيق ذلك من
ثقافة اجتماعيّة، ولا سيما الثقافة المستمدة من التشريع الإسلامي الذي
يضع برنامجاً ومنهجاً للعلاقات بين الناس، ولكلّ حركة الناس فيما بينهم
أو في مواجهتهم للقوى المضادّة. لذلك، لا تقتصروا في معرفتكم الإسلامية
على معرفتكم بالعبادات، فالعبادات إنّما تمثل القاعدة الروحية التي تفتح
عقل الإنسان وقلبه على الله تعالى، ومن خلال ذلك تفتح عقله وقلبه على
الناس في خطِّ المسؤولية، لكن علينا أن تكون لنا ثقافة الخطة الإسلامية
في الجانب الأخلاقي الذي يدخل في العائلة لينظِّمها، ويدخل في المجتمعات
الصغيرة والكبيرة ليضع لها البرنامج، ويدخل في مجتمع الأمة كلّها من أجل
أن يشير إلى جوانب الوحدة، وإلى جوانب التحديات التي تواجهها من الآخرين.
لذلك أيّها الأحبة، كونوا المثقفين إسلامياً
بالجانب الاجتماعي للإسلام، فذلك هو الذي يحفظ لكم صلاتكم وصومكم
وحجَّكم، وهو الذي يؤصِّل لكم إنسانيتكم في انفتاح الإنسان على الإنسان.
وإذا انطلقنا إلى الجانب الاقتصادي، نرى أنّ
الاقتصاد اليوم لم يعد كما كان عليه في السابق، مجرد عملية تتدخل فيها
الشطارة الذاتية للتاجر هنا، أو للعامل هناك، أو لصاحب المعمل هنالك، بل
أصبح علماً معقَّداً يحتاج إلى الكثير من الثقافة الاقتصادية التي يعرف
الإنسان من خلالها كيف يخطّط لكلّ المشاكل الاقتصادية ليحلّها بطريقة
واقعية، وكيف يواجه كل الأخطار الاقتصادية التي يحاول من خلالها
الاستكبار العالمي أن يصادر كل ثرواتنا لحساب رخائه، وكلّ طاقاتنا لتكون
مجرد طاقات استهلاكية تستهلك منتجاته، أو لنكون اليد الرخيصة الّتي
يسخرِّها لحساب رخائه واقتصاده.
أيّها الأحبّة، إنّنا نحتاج إلى الثقافة
الاقتصادية، كما نحتاج إلى أن نقرأ جيداً خطوط الاقتصاد الإسلامي، لنعرف
أن للإسلام مذهباً اقتصادياً مختصّاً به، ليس اشتراكياً ولا رأسمالياً،
بل هو مذهبٌ يتميز باستقلالية تجمع بين الجانب الموضوعي الواقعي والجانب
الأخلاقي الروحي، أمّا الذين يعيشون الاقتصاد مبادرات فرديةً أو شطارةً
ذاتيةً، فإنّهم لن يستطيعوا أن يحصلوا على مواقع متقدمة في كل هذا الصراع
الاقتصادي العالمي، ونحن نلاحظ بين وقت وآخر، كيف ينطلق الرأسمال
الاستكباري من أجل أن ينسف أسس الاقتصاد الآسيوية تارةً، والأمريكية
اللاتينية تارةً ثانية، ومناطقنا العربية تارةً ثالثة، من خلال التخطيط
الاقتصادي المثقف الذي يستغلّ جهلنا وتخلّفنا وكلَّ هذا الوضع السطحي
عندنا.
وعندما نأتي إلى الحالة العسكرية الأمنية، نرى أنّ
الأمن أصبح علماً من أكثر العلوم تعقيداً، ولم تعد قضية الحرب مجرد
بندقية تطلقها أو خنجر تغرسه في جسد شخص، بل أصبحت المسألة العسكرية
مسألة سلاح معقّد لا بد لك من أن تعرف كيف تنتجه وكيف تستعمله وكيف
توظّفه. إنّ إسرائيل استطاعت من خلال هذه المعرفة العلمية، باحتضانها كل
علماء اليهود في العالم الّذين تستقدمهم إليها لتستفيد من خبراتهم،
استطاعت أن تصبح الآن من أكبر الدول المصدِّرة للسلاح في العالم، ومن
أكبر الدول التي تملك الخطط العلمية للتدريب، حتى إنها دخلت إلى أفريقيا
وإلى أكثر من بلد من أجل أن تدرِّب قوى الأمن فيها، سواء كانت قوى أمن
شرطة أو أمن جيش، ونحن نعرف أن الصين بدأت تحتاج إلى إسرائيل في المجال
العلمي، في جانب السلاح وغير السلاح، وأنّ بريطانيا تستورد سلاحاً من
إسرائيل، كما أن أمريكا قد تستورد بعض سلاحها منها. لماذا ذلك كلّه؟!
لأنّهم عرفوا أن القوّة في هذا العصر ليست قوة العدد، ولكنّها قوة النوع
والقوة العلمية المعرفية.
ولذلك، فإننا نعتبر أن العلم هو من المسائل التي
تقوِّي لنا مواقعنا السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، لأنّ هذا
عالم يحتاج إلى علم، ومشكلتنا الآن، أنّنا لا نزال نحتاج إلى أمريكا
وأوروبا واليابان وكثير من دول العالم، في كل حاجاتنا في جميع الحالات،
نحن نحارب أمريكا ونحتاج إلى السلاح الأمريكي، ونحارب أوروبا في بعض
الحالات ونحتاج إلى السلاح الأوروبي.
إنّ مشكلتنا أنّنا لا نزال نعيش الحاجة إلى
الآخرين، ونحن نعرف أن الإنسان تستعبده حاجاته، فإذا كان يملك ما يلبّي
به هذه الحاجات، فإنّه يستطيع أن يشعر بالحرية أمام الآخرين، أما إذا كان
لا يملك ما يلبّي به حاجاته، فسوف يشعر بالضعف، وفي بعض كلماتنا
المأثورة: «احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمَّن شئت تكن نظيره،
وأحسن إلى من شئت تكن أميره».
خلافة الإنسان في الأرض
إنّ سبب الضّعف الّذي نواجهه، هو أنّنا نعيش
التخلّف العلمي والرّوحيّ والحركي في حياتنا، ولذلك لا نزال نعيش تحت
رحمة الإشاعات التي تنتجها المخابرات هنا وهناك، كما أننا لا نزال نعيش
عبادة الشخص في حياتنا السياسية والدينية والاجتماعية، ولا نزال نعيش
التخلف في وعينا للأشياء. لذا عليكم أن تجمِّدوا الحماس، إلا إذا كان
الحماس جزءاً من خطة عقلانية، وأن تجمّدوا الانفعال عندكم، وأن تعطوا
العقل حريته في أن يفكر، والعلم دوره في أن يخطّط، وأن تعطوا حياتكم
الواقعيّة من أجل أن تعرفوا بداية الطريق ونهايته، وقبل ذلك وبعده،
أخلصوا لله، وفكروا في مسؤوليتكم أمامه، فقد جعل الله الإنسان خليفته في
الأرض، واعتبر أساس الخلافة هو العلم، قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آَدَمَ
الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ
أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}(البقرة:30-31)، فلقد قال تعالى
لملائكته، إنّي جعلت الإنسان خليفتي في الأرض، لأنّني أعطيته علم الأرض
وعلم الإبداع في تنميتها وإدارتها، وحمَّلته الأمانة، ومن الطبيعي أن هذا
الإنسان الذي يملك عقلاً وقوّة وغريزةً، قد يستقيم على الدرب وقد ينحرف
عنه، ولكنّه من خلال هذه الجدلية بين الاستقامة والانحراف، يغني الحياة،
ويرتفع بها بالعلم. وقد صار الإنسان خليفة الله في الأرض، على أساس أنّه
بالإرادة الحرّة والعقل المنفتح، يستطيع أن يتحمّل مسؤوليّته عنها، وهو
ما لم تستطعه الجبال والسّماوات والأرض، التي أبت تحمّل هذه المسؤوليّة،
كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ـ من خلال عقله، ومن خلال حسه ووعيه
وحركيته ـ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}(الأحزاب:72).
أيّها الأحبة، لقد خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله
بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا
مُنِيرًا}(الأحزاب:45-46)، وقال سبحانه عنه: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى
المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ
وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(آل
عمران:164)، فلقد جاء الرسول(ص) من أجل أن يعلّمنا الكتاب والحكمة،
وعلينا أن نكون الأمناء على الكتاب، والحكماء في إدارة أمورنا، وجاء(ص)
من أجل أن يزكّينا ويطهّر نفوسنا ويؤهِّل إنسانيتنا، وعلينا أن نحتفظ
بهذه الروح التي زكّاها، وقد انفتح(ص) علينا سراجاً منيراً يضيء للناس كل
الطّرقات المظلمة، فعلى كل واحد منا أن يكون نوراً في عقله، ونوراً في
قلبه، ونوراً في روحه، ونوراً في حركته، وأن نبعد الظلام من عقولنا ومن
قلوبنا ومن كل حياتنا، لأننا عندما نعيش في النور، وننفتح على النور،
فإنّنا يمكن أن ننير لأنفسنا وللآخرين الدرب.
وهكذا كان رسول الله(ص) الشَّاهد على الناس، يشهد
عليهم فيما يستقيمون فيه وفيما ينحرفون عنه، وهو (ص) سوف يشهد على أمته
غداً، لأنّ الله تعالى يطلعه على أعمال أمته، سواء كان ذلك في زمانه أو
بعده، وهو(ص) يراقبنا {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ}(التوبة:105).
دروس من رحلة الإسراء والمعراج
لذلك علينا أن ننفتح على الله، وأن نطيعه ونسير في
درب الاستقامة، لنكون من {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا}(فصِّلت:30)، حتّى يرانا الله تعالى وقد أطعناه وعشنا في
آفاق المسؤولية بين يديه. وعلينا أيّها الأحبة، ما دام النبي(ص) يرى
أعمالنا، أن نكون مصدر اعتزاز له. اتركوا الحقد والعداوة والبغضاء فيما
بينكم، كونوا الواعين للواقع، والأقوياء في مواجهة التحدي، والمتناصحين
فيما بينكم، وكونوا من الذين يعيشون الشورى فيما بينهم في كلِّ قضاياهم.
لا تتحركوا في خطِّ الاستبداد، بل تحركوا في خط الشورى، فقد كان
النبي(ص)، وهو الغني عن أيّ شورى، يشاور أصحابه انطلاقاً من قول الله
تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}(آل عمران:159)، {وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى:38).
أيّها الأحبة، في مولد الإسلام، في مبعث النبي(ص)،
يجب أن يولد فينا العلم والوعي والإيمان والقوّة والعزة والكرامة
والحرية، لنكون كما أرادنا الله تعالى أن نكون: {خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
المُنْكَرِ}(آل عمران:110).
وهكذا نقف في يوم المبعث لننفتح على الإسراء وعلى
المعراج، حيث أراد الله تعالى لنبيّه أن يطوف في المنطقة التي تحرّك فيها
الرسل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آَيَاتِنَا}(الإسراء:1)، ليربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في كلِّ
القضايا الأساسية الحيوية، باعتبار أن المسجد الأقصى هو مهبط الرسالات
وأولى القبلتين، وأن المسجد الحرام هو قبلتنا الثانية، وهو كعبتنا التي
نحجُّ إليها.
وهكذا أراد الله سبحانه وتعالى لرسوله من خلال
الإسراء أن يريه آيات الأرض، ومن خلال المعراج أن يريه آيات السماء،
لتنطلق ثقافة الرسول في المعرفة الواسعة لآيات الأرض في خطِّ الرسالة،
وفي المعرفة الواسعة لآيات الله في سمائه في خطِّ المعرفة.
وعلينا أن نجعل رسول الله(ص) قدوتنا، ورسول الله
كان يقول كما أمره الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه:114)،
وعلى كلّ واحد منّا أن يدعو بهذا الدعاء في مقام استنفار طاقاته العلمية،
حتّى يكون يوم المبعث، ويوم الإسراء والمعراج، يوم البداية لحركة إسلامية
عالمية، تحاول أن تؤسلم العالم بالدعوة والقوة العقلانية والموضوعية
والحرية، فهذا هو ما يمكن أن نجتذب به العالم إلى الإسلام، بعيداً عن كل
العنف غير المخطّط، وعن كلّ الرفق غير المخطّط، أن ننطلق من موقع خطة
تبدأ من المسؤولية، وتتحرك في خطِّ المسؤولية، وتنفتح على الله تعالى
فيما يريد منا.
نص محاضرة ألقاها العلامة المرجع
بمناسبة المبعث النبوي الشريف، في 17-11-1998م.