|
مفاهيم
> أعياد الميلاد
أعياد الميلاد
من الإشكاليات التي تعترض مجتماعاتنا، مسألة
الأعياد التي دار حولها الكثير من الجدل، فتفاوتت دلالاتها القيمية
والطقسية بين حضارة وأخرى، وبما أن المدى الحضاري لا يقتصر على شعب دون
شعب آخر، دخلت الكثير من العادات والطقوس إلى واقعنا الإسلامي، وأصبحت
ممارستها مع مرور الزمن، عادات وطقوساً متأصلة، كالاحتفال بمولد شخصية
معينة، أو بموالد الأبناء وما إلى ذلك، ولا سيما أن الأعياد الإسلامية
تنحصر بعيدين أساسيين، وهما عيد الفطر المبارك، وعيد الأضحى. وانطلاقاً
من ذلك، كان لا بد من تصويب هذه المفاهيم، وجلاء الالتباسات الحاصلة حول
الاحتفال بهذه الأعياد، إذ نهى البعض من الفقهاء عن الاحتفال حتى بمولد
النبي(ص)، في الوقت الذي لم ير آخرون مشكلة في ذلك. وبين هذا الرأي وذاك،
كان لسماحة العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله إطلالة متميزة على بعض هذه
الموضوعات، باحثاً فيها، ومناقشاً آراء الآخرين، مراعياً الأبعاد
الاجتماعية والثقافية والفكرية والروحية، وداعياً في الوقت نفسه إلى
عملية تطوير في المضمون والشكل، وذلك بما يخدم مصالح الأمة وقضاياها.
العيد عنصر إثراء:
في البداية،
يعالج سماحته مسألة أعياد الميلاد التي يقيمها الكثير من الناس لأولادهم
في ذكرياتهم السنوية، فيرى أن هذه الأعياد لم يعهد بها من قبل في واقعنا
الشرقي والعربي، وإنما هي تقليد للآخرين من أصحاب الحضارات الأخرى، ولكنه
لم يتعاط مع هذه التقاليد بنظرة سلبية، على الرغم من أنه لا يؤيدها، ولكن
بما أنها أصبحت موجودة في الواقع، فلا بد من التعاطي معها، والعمل على
تطويرها، والرقيّ بمعانيها ومضامينها، وهذا ما يعكسه في قوله: "إنَّ عيد
الميلاد ليس من تقاليدنا، فلم يُعهد في الأجواء الإسلامية والسلوك
الإسلامي والتربية الإسلامية، أن يحتفل الإنسان بيوم مولده، حتى إننا
عندما ندرس مسألة مواليد العظماء في تاريخنا، فإننا لا نجد في واقعنا
العربي الشرقي واقعاً لهذا التقليد، حتى إن الله سبحانه وتعالى لم يتحدث
عن مولد نبي إلا في موردين:
الأول: مورد ولادة
النبي موسى(عليه السلام)،
من أجل استجلاء لطف الله بموسى، والكرامة التي اختصه بها عندما أنقذه من
فرعون وجعله يعيش في حضانته {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً
وحزناً}[القصص:8].
والمورد الثاني: هو
مولد عيسى(ع)، باعتبار أنه مظهر من مظاهر قدرة الله. ولكن الله لم يحدثنا
عن مولد إبراهيم(ع)، أو مولد أي نبيٍّ آخر من أنبياء الله(عليهم الصلاة
والسلام)، لأن مسألة أن يولد إنسان في وقت معين، لا تمثل شيئاً يوحي
بالقيمة، ولذلك لم نجد أي تشريع إسلامي يستحبّ للناس أن يحتفلوا بمولد
نبي أو إمام أو ما إلى ذلك .
ولكن المسلمين
انطلقوا في مثل هذه الأمور تقليداً للآخرين من أصحاب الحضارات الأخرى،
الذين كانوا يحتفلون بميلاد أنبيائهم، كما لدى النصارى، أو ميلاد عظمائهم
أو أدبائهم أو فنانيهم أو ما إلى ذلك، حتى إنَّ النصارى جعلوا ميلاد
السيد المسيح بداية التاريخ، بينما لم نجد المسلمين يجعلون ميلاد
النبي(ص) بداية التاريخ، وإنما جعلوا الهجرة هي البداية.
إلا أن ذلك لا
يعني أن لدينا نظرة سلبية نحو هذا الأمر، بل إننا لا نجد مشكلة أو ضيراً
في أخذ هذه التقاليد بالاحتفال بولادة العظماء بأية وسيلة، لأن هذا يجعل
الأمة مرتبطة بعظمائها من خلال المناسبة التي تستعيد فكرهم وجهادهم
ونشاطهم ورسالتهم وأخلاقهم وما إلى ذلك، ما يمثل تجديد حيوية الأمة من
خلال استحضار صورة العظيم، ليكون ذلك نوعاً من أنواع الانفتاح على كل
حياته في كل سنة أو في كل مناسبة. ولهذا نحن لا نلتقي مع بعض علماء
المسلمين الذين حرَّموا الاحتفال بمولد النبي(ص) باعتبار أنه بدعة، لأننا
لا نرى مصطلح البدعة يشمل مثل هذه الأمور التي لا يقوم بها الناس
انطلاقاً من أنها صادرة عن الشارع المقدَّس حتى يكون تشريعاً محرماً، بل
لأنه شيء مفيد في نتائجه الإيجابية على مستوى علاقة الأمة بالرموز
الكبيرة في دينها، ما يؤدي إلى العيش معها، واستعادة سيرتها في عناصرها
الحيوية التي تغني فكر الأمة وتجربتها الرسالية في الحياة. والله لم
يحرِّم علينا أن نأخذ بالجديد في احتفالاتنا وأساليبنا، كما نأخذ بالجديد
في وسائل عيشنا وما إلى ذلك .
إنَّ مسألة
الاحتفال بميلاد الشخص يمثِّل حالة حميمية يستذكر فيها الإنسان مناسبة
دخوله إلى هذا الوجود، أو امتداده في حركة الوجود في مدى السنة التي
يستذكر فيها مولده. إننا لا نريد أن نقوم بحملة مضادَّة لهذا التقليد
الجديد، وإن كنا لا نرغب في استيراد تقاليد الآخرين عشوائياً، لأننا
نعتقد بأن التقاليد لا بدَّ من أن تنطلق من جذور عميقة في وعي الأمة
لمفاهيمها وقضاياها وللخطوط التفصيلية التي تتحرك في هذا التقليد أو ذاك،
لكن يمكن لنا، بعد أن فرض هذا التقليد نفسه علينا، أن نحاول تطويره، بأن
يكون الاحتفال بمولد هذا الطفل أو ذاك، أو احتفال الإنسان بذكرى ميلاده،
هو بالذات مناسبة لشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة الوجود، وشكر الله
على الاستمرار في الحياة، وحمد الله، على الطريقة التي يعبر عنها الإمام
زين العابدين(سلام الله عليه) عندما يتحدث عن استقباله للصباح والمساء،
إذ يقول: "وهذا يومٌ حادث جديد، وهو علينا شاهد عتيد، إن أحسنا ودعنا
بحمد، وإن أسأنا فارقنا بذم"(1)، أو استقباله ليوم الأربعاء بقوله: "لك
الحمد أن بعثتني من مرقدي، ولو شئت جعلته سرمداً، حمداً دائماً لا يتقطع
أبداً"(2)، بحيث تكون ولادته عندما يأتي اليوم، مناسبة لأن يحمد الله على
أنه أبقاه لهذا اليوم الذي يمثل يوم انطلاقه في الوجود، عندها نحوّل
المناسبة إلى مناسبة يعيش فيها الإنسان روحية الشكر لله والحمد له،
ويستذكر فيها الإنسان ما سلف من عمره؛ هل كان في طاعة أو في معصية؟
ويستقبل العمر القادم في الاستعداد لتصحيح مساره وتقويم خط سيره، وما إلى
ذلك في هذا المجال.
إننا يمكن أن
نطوّر هذا التقليد لما يسمى عيد الميلاد، ليكون عنصر إثراء روحي وعملي في
تذكر الإنسان لمعنى وجوده ولاستمراره، ولما يستقبله من وجود، وليدعو:
"اللهم اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه، وخير أعمالي خواتيمها، وخير
أيامي يوم ألقاك فيه""(3).
معنى العيد في الإسلام:
ويحدِّد سماحته
معنى العيد في الإسلام، وهو العيد الذي ينطلق في طاعة الله والإخلاص له،
بعيداً عن أجواء التحلل والفسوق، وما إلى ذلك، وهو كما يقول: "عندما ندرس
فكرة العيد في الإسلام، والذي يتمثّل في مناسبتين، هما الفطر والأضحى،
فإننا نجد أن العيد في الإسلام ينطلق من قاعدة الطاعة لله، والإخلاص له،
والإسلام له، والنصيحة في سبيله، فإذا التقينا بعيد الفطر، نجد أنه عند
القيام بالمسؤولية بصيام شهر رمضان وقيامه، يحتفل الإنسان بيوم العيد،
لأنه وفّق لطاعة الله سبحانه وتعالى في ما فرضه عليه من صيام هذا الشهر،
وفي ما أراد له من قيامه، وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين(ع) وهو يتحدث
عن عيد الفطر: "إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه، وكلّ يوم لا
يعصى الله فيه فهو عيد". إذاً، لا بدَّ في هذا العيد، الذي هو عيدُ
الاحتفال بالطاعة والتوفيق، من أن يكون بكلّه، في كل تقاليده، وفي كل
عاداته، وفي كل ممارسة الناس للفرح فيه، لا بد من أن يكون متحركاً في كل
مفرداته في طاعة الله سبحانه وتعالى. فمن يعصِ الله في هذا العيد يكن
بعيداً عن معنى العيد وعن روحيته، وحرباً على كل معانيه .
أمَّا عيدُ
الأضحى، فهو عيد القربان، وهو العيد الذي يريد الله سبحانه وتعالى
للإنسان فيه، أن يقرِّب قربانه إليه بذبح الكبش قربةً إليه، وهذا العيد
يرمز إلى قصة إبراهيم وإسماعيل التي حدثنا عنها الله سبحانه في القرآن:
{فلما بلغ معه السعي قال يا بنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر
ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين* فلما
أسلما وتلّه للجبين* وناديناه أن يا إبراهيم* قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك
نجزي المحسنين * إنَّ هذا لهو البلاء المبين* وفديناه بذبح عظيم* وتركنا
عليه في الآخرين* سلام على إبراهيم* كذلك نجزي المحسنين}
(الصافات:102-110).
فنحن إذاً نفهم
أن هذا العيد يمثِّل رمزاً للقربان الذي قدّمه إبراهيم(ع) لله في
استعداده لذبح ولده، والقربان الذي تمثل في إسماعيل حينما أبدى استعداده
لتقديم نفسه للذبح قربةً إلى الله تعالى، ما يعني أن عيد الأضحى هو عيد
الإسلام لله. فمعنى عيد الأضحى، أن يحتفل الإنسان فيه بمناسبة إسلامه
لله، وعمله على أن يكون قريباً من الله، وأن يصعد إلى درجات القرب لله
(سبحانه وتعالى)، ومن الطبيعي أن مثل هذا العيد لا بد من أن يكون عيداً
يعبِّر عن حركة الإسلام في واقع الإنسان، في كلِّ كلماته وأقواله
وتصرفاته.
وعلى ضوء ذلك، لا
بد من أن تكون الأساليب المتّبعة في الأعياد متناسبةً مع الأجواء الروحية
والإنسانية التي لا تبتعد عن الله، بل تُقرّب إليه، ليكون الفرح فرح
الإنسان بنعمة الله، وبعناصر السعادة التي يمنحها الله للإنسان" (4).
التوازن بين الدنيا والآخرة:
ولذلك، لا تناقض
بين ما يطرحه الإسلام من أن العيد يومٌ للبهجة والفرح، وبين ما يدعو إليه
من جدية ومحاسبة للنفس وتذكر للموت والآخرة في يوم العيد، باعتبار أن
الإسلام، كما يقول سماحته: "يحاول أن يوازن في وجدان الإنسان بين مختلف
القضايا الحيوية، بحيث لا يتغلب جانب على جانب آخر ليلغيه، فإذا كان
الإسلام يريد للإنسان أن يعيش الفرح والبهجة والسرور، فإنه لا يريد له أن
ينسى مسؤوليّته في غمرة الفرح، أو أن يبتعد عن خطّ التوازن في حياته،
بحيث يعيش في حالة اختلال التوازن، ولذلك ورد في بعض النصوص الدينية
حديث: "فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاكم خروجكم من الأجداث إلى
ربّكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاّكم، وقوفكم بين يدي ربّكم"، وما إلى ذلك.
إن صلاة العيد
تمثِّل بداية اليوم الذي يعيش فيه الإنسان الفرح الإيمانيّ لقيامه
بالمسؤولية، والإسلام يريد أن يوسِّع دائرة الفرح، بحيث لا يجعل الفرح
مجرد تعبير عن الحالة الغريزية التي تريد النفس فيها أن تلهو وتلعب
وتعبث، ولكنه أراد للإنسان أن يفرح بقيامه بالمسؤولية، وبطاعته لربه وعدم
معصيته له، ليجعل ذلك عيداً، لأن الحالة الوجدانية، وهي حالة الفرح أمام
القيام بالمسؤولية، تجذِّر حركة المسؤولية في وعيه، عندما تتحوَّل
المسألة إلى حالة وجدانية بدلاً من أن تكون مجرد حالة يفرضها النظام الذي
يخضع فيه الإنسان لمسؤولياته.
ومن هنا، أراد
الإسلام في هذه الصلاة، أن يعيش الإنسان العيد في لقائه مع ربه، وفي
انفتاحه على ربه، وفي شكره للنعم التي أعطاها الله له، سواء النعم
المادية أو النعم المعنوية، ليكون فرحاً بلقاء الله والتواصل معه، ما
يجعله يحسُّ بأن الله يرعى حياته، ليمارس فرحه بالحياة تحت رعاية الله
سبحانه وتعالى، حتى لا يكون لهوه لهواً منحرفاً، ولا يكون لعبه لعباً
منحرفاً، بل يبقى في دائرة إنسانية، كما قال الإمام علي(ع) عندما قسّم
الساعات:"وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها في غير محرم، فإنها عون على
تينك الساعتين " .
لذلك، فإنَّ
الإسلام يريد للإنسان أن يفرح بممارسة المسؤولية في العيد، وهو الذي
يجعله يفكر بالله وبالآخرة وبالحساب وما إلى ذلك، وأن يعيش الفرح الطبيعي
الذي ينطلق فيه، ليتخفف من الكثير من أثقال الواقع، ليمنح نفسه حالةً من
اللهو والعبث والفرح الذي لا يسيء إلى روحه. وهكذا نجد أن الإسلام
استحبَّ للإنسان في العيد أن يزور قبور أحبائه، ليتذكّرهم في العيد،
ويترحّم عليهم، وليقدِّم لهم قراءة القرآن والصدقة هدية، وأن يزور
أصدقاءه، وأن يعيش فرحاً روحياً وفرحاً اجتماعياً وفرحاً غرائزياً جسدياً
وجدانياً، وهذا التوازن هو سر الإسلام.
ولعلنا نلتقي في
هذا المجال، في التوازن بين فرح الدنيا وفرح الآخرة، وبين حاجات الدنيا
ومسؤولية الآخرة، بالكلمة المأثورة عن الإمام علي(ع): "اعمل لدنياك كأنك
تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"، حتى يتوازن الإنسان في حساب
المسؤولية، ليشعر بأن الموت والحساب في انتظاره في حركة المسؤولية،
ليمتدَّ في عمله وفي طاقاته في الحياة "(5).
الفرح المسؤول:
ثمّ إنّ سماحته
يستجلي بعض المفاهيم ويصوب مسارها، حيث يعتبر، وانطلاقاً من النظرة
الإسلامية للفرح، أن أجواء الفرح التي تقترن عند أهل الفسق والفجور عادةً
بمظاهر الفسق، من زنا وشرب خمر وغير ذلك، ما هي إلاّ فرحة اللحظة التي
يعقبها نتائج سلبية، وذلك قوله: "هناك فرق بين أن تفرح في البداية لتبكي
في النهاية، وبين أن تفرح في نهايات الأمور وإن كنت تبكي في بداياتها. إن
الإسلام ينظر إلى الإنسان في عمق النتائج التي تمثل مصلحته، والتي يرتبط
فيها فرحه بنهاياته، ولعلنا نعرف المثل القائل: "إن الذي يضحك كثيراً هو
الذي يضحك أخيراً"، فالذين يمارسون الزنا، أو يشربون الخمر، أو يقومون
ببعض الأوضاع المحرمة التي تعطيهم شيئاً من السرور ومن البهجة، قد يفرحون
بذلك، ولكن النتائج السلبية التي تترتب على الإنسان في حياته العقلية،
وفي حياته الاجتماعية، وفي اطمئنانه النفسي، قد تدمر ما حصل عليه من
الفرح. فالإنسان الذي يشرب الخمر، ويفقد شيئاً من توازن عقله، ربما يعيش
في غيبوبة عن الواقع، ولكنه عندما يواجه السلبيات، سواء في جسده، أو في
النتائج الواقعية التي تحدث من خلال هذه الغيبوبة العقلية، فإنّ ذلك قد
يأكل الكثير مما عاشه من الفرح، وهكذا في علاقات الزنا التي قد تمثِّل
نزوةً طارئةً يعيش فيها الإنسان شيئاً من الارتواء الجنسي، ولكنَّ
النتائج الروحية السلبية التي يعيشها الإنسان في هذا المجال، قد تدمر ذلك .
إنَّ الإسلام
يريد للإنسان أن يفرح فرحاً يعيش فيه بدايات الانفتاح، ويتابع ذلك ليكون
الفرح في البداية وفي النهاية معاً، ولا يريد للإنسان أن يفرح في البداية
ليحزن في النهاية. إنّ الفرح قد ينطلق في الحالات الطبيعية الإنسانية، من
رغبات الإنسان ومشتهياته وملذّاته وشؤون لعبه ولهوه، لأن للإنسان حاجات
جسدية وحاجات وجدانية لم يحرمه الله من ممارستها، ولم يحرّمها عليه،
ولذلك فقد يفرح الإنسان في انسجامه في حياته مع معتقداته ومبادئه وخطوطه
الفكرية، وقد يعيش الفرح في نزواته المحلَّلة، وفي حاجاته وشهواته وشؤون
لعبه ولهوه، لأن القلب يحتاج إلى أن يتنفس، ولأن الغريزة تحتاج إلى أن
تتنفس، كما يحتاج الإنسان إلى أن يعيش مسؤوليته في قضاياه العقيدية
والشرعية"(6) .
رفع القلم وهم وتخلف
أما في ما يخص من
الادّعاء بأنَّ الله يرفع القلم عن أمّته لمناسبة سارّة معينة، ولا
يحمّلهم مسؤولية وعواقب ما يقومون به من أعمال وإن تكن شائنة، كما في حال
بعض المسيحيين الذين يجعلون من ليلة ميلاد المسيح(ع) مناسبةً للانحلال
وإقامة الحفلات الماجنة واحتساء الخمر وغير ذلك، أو بعض فرق المسلمين
التي تدَّعي بأن الله يرفع القلم عن أمته في يوم (كذا) ولها أن تفعل ما
تشاء...، فيقول سماحته:
"إنَّ الله لم
يرفع القلم إلاَّ عن الذين لا يملكون الكمال في عقولهم، والكمال في
عناصرهم الشخصية. أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم،
وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، ولم يرفع الله القلم عن
أيِّ أحد آخر {إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد* ما يلفظ
من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق/17-18)، إن الله سبحانه وتعالى يحاسب
الإنسان على كل ما عمله في كل حالة.
والحديث عن رفع
القلم في بعض المناسبات التي يعيش فيها بعض الناس ذكريات التاريخ، هو
أمرٌ يتحرك في نطاق الأوهام، ونطاق التخلّف والبعد عن الدقة في دراسة
الأمور ودراسة الأحاديث .
لذلك، ليس هناك
وقت يرفع فيه القلم عن الإنسان، بل إن الله جعل الإنسان مسؤولاً عندما
يملك بلوغه ورشده ووعيه، ولا فرق في ذلك بين أية مناسبة إسلامية كانت أو
مسيحية، بل إننا نعتقد أن مناسبة ولادة السيد المسيح(ع)، أو مناسبة ميلاد
النبي محمد (ص)، أو مناسبة الأعياد، أو مناسبة رأس السنة، تغري الإنسان
بأن يكون مسؤولاً أكثر، لأنه ينفتح على الإنسان الذي أطلق حركة المسؤولية
في رسالته، لأنها تنطلق من المناسبة التاريخية التي تعرِّف الإنسان أن
عليه أن يواجه الزمن من موقع حركة المسؤولية في حياته.
لذلك، في كلِّ
المناسبات التي يعيشها الإنسان، لا بد من أن ينطلق من موقع المسؤولية،
حتى الفرح لا بد من أن يكون فرحاً مسؤولاً، وحتى اللهو والعبث واللعب لا
بد من أن يتحرّك في خطِّ المسؤولية، حتى لا ينحرف عن مصلحة الإنسان، وحتى
لا يسيء إلى توازنه واستقامته في الخط الذي يصل به إلى الله في الدنيا
والآخرة"(7) .
المصادر:
(1) الصحيفة السجادية
الكاملة، (دعاء الصباح والمساء).
(2) الصحيفة السجادية،
(دعاء يوم الأربعاء).
(3) فقه الحياة، حوار
مع سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، حوار أحمد أحمد وعادل
القاضي، مؤسسة العارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ط1، 1417هـ/ 1997م، ص
189ـ 191.
(4) فقه الحياة، ص
192ـ 193.
(5) فقه الحياة، ص
193ـ 195.
(6) فقه الحياة، ص
195ـ 196.
(7) فقه الحياة، ص 196ـ 197.
|