مختارات > الحراك الشّيعيّ: هموم الوحدة الإسلاميَّة وهواجس المسيحيّين

الحراك الشّيعيّ: هموم الوحدة الإسلاميّة وهواجس المسيحيّين

باسم سعد

تشهد السّاحة الشيعيّة في لبنان حراكاً متواصلاً هذه الأيّام، على المستوى الدّاخلي لهذه السّاحة، وكذلك في التّواصل المكثّف مع الجهات الدّينيّة والسياسيّة خارجها. ويأخذ هذا الحراك طابعاً علنيّاً في كثير من الأحيان، وقد يتّسم بالبحث الدّاخليّ وغير المعلن في أحيان أخرى، بالنّظر إلى أنّ ذلك يجري على أساس قراءة تطوّرات المنطقة وتشعّبات الأحداث فيها، أو محاكاةً لنتائج وتوقّعات قد ترتسم في الأشهر التّالية أو في قادم الأيّام.

وكان لافتاً طوال المرحلة السَّابقة، ومنذ رحيل العلامة السيِّد محمد حسين فضل الله، أنَّ مؤسّساته ومدرسته الفكريّة والثّقافيّة والدّينيّة، لا تزال تقوم بدورها الاجتماعيّ والدّينيّ، بالوتيرة نفسها الّتي كانت عليها في حياته، إضافةً إلى ما تشكِّله تحرّكات نجله السيِّد علي فضل الله ونشاطاته من حركة سياسيّة وروحيّة لافتة، تركت انطباعاً مريحاً في الأوساط اللّبنانيّة المختلفة، سواء على المستوى الإسلاميّ السنّيّ، بالنّظر إلى الاحترام الكبير والتّقدير المميّز الّذي تكنّه الأوساط الإسلاميّة السنيّة في لبنان لهذه المدرسة الّتي تميّزت ولا تزال بجرأتها، وبإصرارها على إعطاء الأولويّة الأساسيّة لوحدة المسلمين عندما يفكّر المعنيّون برسم السياسات أو الاستراتيجيات أو ما إلى ذلك، أو على المستوى المسيحيّ، حيث لهذه المدرسة احترامها، وخصوصاً أنّها هي الّتي أصرّت على الحوار مع المسيحيّين من موقع الثّوابت الإسلاميّة والكلمة السّواء، ومن الميدان الشّعبيّ اليوميّ، الّذي لا ينطلق للحوار من ظروف طارئة أو مصالح مؤقّتة.

وفي هذا السّياق، كان لافتاً حصول لقاءاتٍ جديدةٍ كتلك الّتي حصلت في الأيّام الأخيرة بين العلامة السيّد علي فضل الله وقيادات دينيّة مسيحيّة، وزيارته للبطريرك المارونيّ بشارة بطرس الرّاعي، ولمتروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس، المطران إلياس عودة، بحيث جاءت بعد استقباله رجال دين مسيحيّين، أثنوا على مواقفه واعتداله، وحرصه على إدانة ما يتعرَّض له المسيحيّون من اعتداءات، ومن بينها التّفجيرات الّتي طاولت عدداً من الكنائس في نيجيريا. كما أنّ هذه اللّقاءات أفسحت في المجال للبحث الجدّيّ بخطوات عمليّة لتوحيد الموقف الرّوحيّ الإسلامي والمسيحي في ظلّ ما يجري من تطوّرات في المنطقة.

وأشارت مصادر واكبت زيارة فضل الله إلى كلٍّ من بكركي ومطرانيّة الرّوم الأرثوذكس في الأشرفية إلى جملة من المعطيات، أبرزها:

أوّلاً: إنّ هذه اللّقاءات الّتي أخذت طابع التّهنئة بالأعياد، إضافةً إلى التداول في الشؤون اللّبنانيّة والإسلاميّة والمسيحيّة العامّة، جاءت في أعقاب اللّقاءات والزّيارات الأخرى الّتي أجراها السيِّد علي فضل الله ومعاونوه، والّتي بدأها من لقاءٍ موسَّعٍ في طرابلس في منزل مفتي طرابلس والشّمال الشّيخ مالك الشعّار، ومن ثم زياراته للقيادات الإسلاميّة في صيدا، وعلى رأسها المفتي سليم سوسان، إضافةً إلى الاجتماعات مع "الجماعة الإسلاميّة" في بيروت، ما يشير إلى أولويّة ثابتة في التحرّك، مفادها أنّ وحدة الساحة الإسلاميّة السنيّة والشيعيّة هي الأساس لضمان الاستقرار الدّاخليّ، وأنّ تعزيز هذه الوحدة يصبّ في مصلحة التّقارب مع المسيحيّين، وصولاً إلى تعزيز نموذجٍ وحدويٍّ لبنانيٍّ وطنيّ، يعين على مقاربة أحداث المنطقة بعين إسلاميّة ـ مسيحيّة جامعة.

ثانياً: إنَّ الهواجس الّتي تعيشها الطّوائف في ظلّ الاشتباك الحاصل في المنطقة بين محاور دوليّة وإقليميّة، يمكن معالجتها بمقاربات مشتركة، بصرف النّظر عن الهويّة الدّينيّة لهذه الشّعوب، هذه المكوّنات الّتي ينبغي أن تأتلف وتتعاون وتتحاور لتجد أرضيّةً مشتركةً في هذه المرحلة بالذّات، حتّى إذا أزهر الرّبيع العربي أو أينعت ثماره، أمكن الاستفادة منه للجميع، بدلاً من التّقاتل على عناوينه ورجم معطياته منذ الآن.

ثالثاً: إنَّ أكبر مساهم في طمأنة المسيحيّين في الشّرق هو وحدة المسلمين السنّة والشيعة؛ هذه الوحدة الّتي لا تصنعها اللّقاءات الدّينيّة والسياسيّة العليا فحسب، بل يصنعها الخطاب الوحدويّ الّذي يحترم فيه كلّ فريقٍ رموز الفريق الآخر، إضافةً إلى الرّموز الإسلاميّة التّاريخيّة الّتي تمثّل رموزاً مشتركة للسنّة والشّيعة، سواء أهل البيت الرّسول أو الصّحابة الكرام... وهنا لا بدَّ للخطاب من أن يأخذ الطّابع الإسلاميّ والقرآنيّ ومصلحة المسلمين في المنطقة والعالم، وقضاياهم الكبرى، وخصوصاً قضيّة فلسطين، بدلاً من التّركيز على الجانب المذهبيّ الصّرف، وخصوصاً في المناسبات ذات الطابع الجماهيريّ.

رابعاً: إنّ الحاجة تبدو ماسّةً في مسألة الإعداد للقاء إسلاميّ ـ مسيحيّ واسع يجمع أقطاب السّاحة اللّبنانيّة وكوادرها الثقافيّة والجامعيّة، ويتدرّج في ترجمة عناوين الوحدة والعناصر المشتركة، ليمثّل ذلك نموذجاً مشتركاً يمكن تقديمه لكلّ من يحتاجه في المنطقة كلّها، وما أكثر هؤلاء!

جريدة المستقبل اللّبنانيّة

التاريخ: 1ربيع الأوّل 1433 هـ  الموافق: 24/01/2012 م