جريدة بينات>أرشيف آخر الكلامنشرة العدد 376> عليّ (ع) وذكراه / العدد 376


عليّ (ع) وذكراه

السيد جعفر فضل الله

في الثالث عشر من رجب كانت ولادة عليّ (ع)، ذلك الذي شاء الله له  أن ينشأ طفلاً في حضن الموعود ليكون رحمةً للعالمين، بشيراً ونذيراً، الذي كان يُصنع على عين الله، وبرعايته وتسديده..

هكذا، بدأت السلسلة الذهبيّة؛ الله تعالى يتعاهد نبيّه محمّداً، قبل النبوّة وبعدها، وعليّ يتلقّى كلّ ذلك منه (ص).. وهكذا نفهم كيف تشكّل علمُ عليّ (ع)..

لقد كان علم عليّ (ع) على ثلاثة شعب؛ علمٌ بالتربية، وعلمٌ بالمصاحبة، وعلمٌ بالتلقّي. وإذا كان عليّ (ع) كصحابيّ يشترك مع سائر الصحابة في الشعبة الثالثة ـ إذ كان الجميع يسمعون من رسول الله الوحي وما يعلّمهم إيّاه ـ ولكنّه بلا شكّ  لا يرقى إلى مستواه أحد في ما يخصّ الشعبتين الباقيتين، ممّا يعطيه ميزة إضافيّة على سائر الصحابة؛ لأنّ درجة التلقّي وعمقه يتأثّران بتينك الشعبتين؛ ولذلك نجد أنّ المحيطين بالعظماء والقياديّين عادةً ما يكونون أكثر تفهّماً وأشدّ لصوقاً بالصفات التي كفلت لتلك القيادات ولأولئك العظماء حركة قيادتهم وتجسيد عظمتهم.

وإذا كان هذا حديث القيم والتاريخ، فإنّه ليس لنا إلا أن نأتي إلى حاضرنا في ذكراه؛ لأنّ القيمة ليست ملك التاريخ، تغيب في غياباته، وإنّما يُعنى بالقيمة كلّ من شكّلت ضالّته في مدى الزمن، وبهذا يحيا العظماء والصلحاء والأولياء والأنبياء. وعندئذٍ يمثّل الانتماء للرمز انتماء للقيم التي حملها، وللرسالة التي جسّدها في حركته، بما يجعلنا في ذكرى عليّ (ع) نشعر بخطورة المسؤوليّة التي يحمّلنا إيّاها الانتماء إليه، والذي ليس هو  إلا الانتماء للإسلام الذي انتمى عليّ (ع) إليه وكان صنيعته.. لأنّ معنى الاحتفال بذكرى مولده المبارك هو جعل الذكرى محطّة للتأمّل والتقويم، والدراسة والمحاسبة، نقيسُ بذلك مدى تجسيدنا للقيم ـ في طريقنا إلى الله ـ التي جسّدها في طريقه إلى الله، وإلا كنّا نسير في طريقين مختلفين، قد لا يلتقيان إلا شكلاً، نحسب أنّهما متشابهان وكلّ منهما يتحرّك في غير اتّجاه الآخر..

لم يكن التشيّع لعليّ يوماً إلا تشيّعاً للتوحيد في أعلى درجاته، ولطاعة الرسول في أجلى مظاهرها؛ فليس عليّ مع كلّ الغلوّ الذي أنتجناه وسمّيناه ولاءً، ولا عليٌ يرضى بأن يكون أولياؤه الظالمون والمفسدون والمنحرفون، وإن سمّوا أنفسهم شيعة..

لقد قالها الإمام محمّد الباقر (ع): "والله ما شيعتنا إلا من اتّقى الله وأطاعه... والله ما تنال ولايتنا أهل البيت إلا بالورع"..

فليكن مولد عليّ (ع) مولد القرآن فينا، ومولد الإسلام في توجّهاتنا وأخلاقنا وسلوكنا، وعندئذٍ يكون للذكرى طعمٌ آخر؛ والله من وراء القصد.

التاريخ: 13 رجب 1431 هـ  الموافق: 25/06/2010 م