|
عندما يتقاطع السياسيّ مع غير الرّياضيّ في "المونديال" الّذي يشرب الجميع من كأسه:
حمّى مرضيّة تعتدي على السّلام الدّاخليّ وتهمّش القضايا الكبرى |
حمّى "المونديال" في لبنان لا يشابهها شيء... لا في البرازيل ولا ألمانيا أو إيطاليا أو الأرجنتين أو غيرها من الدّول المشاركة في جنوب أفريقيا، والمرشّحة أو غير المرشّحة للفوز بكأس العالم.
في لبنان، تتصاعد التّظاهرات "الموندياليّة" بعدما أقفل ملفّ التظاهرات العمّاليّة، وأوصدت الأبواب أمام الكثير من الحركات النّقابيّة الّتي كانت تملأ الشّوارع في "الأيّام الغابرة"، عندما كانت حقوق هذه الطّبقة تتعرّض للسّحق، أو يطالها الإجحاف، أو ينال الواقع السياسيّ من حيويّتها وحضورها...
..هكذا جرى استبدال التّظاهرات المطلبيّة بأخرى استعراضيّة، ولكنّ الفرق يكمن في أنّ الاستعراضات الموندياليّة تستمرّ حتى الصّباح في كثيرٍ من المناطق والضّواحي اللّبنانيَّة، الّتي تلهبها سياط "المونديال" في هذه الأيّام... فيسهر أهلها –مجبرين- حتّى ساعات الفجر....
زمامير وأبواق، ودرّاجات ناريّة، وإطلاق مفرقعات، وحتّى إطلاق نيران، في احتفالاتٍ تتواصل كلّما ربح فريق وخسر آخر، وما يلبث المشجّعون الآخرون أن يردّوا الصّاع صاعين لأولئك، والنّتيجة: سهرة مستمرّة للجميع... للطلاب والعمّال والموظّفين... وما المشكلة في ذلك؟؟ أولسنا في بلد الكهرباء التي لا تأتي، وخصوصاً في أيّام القيظ، وعلى أبواب فصل الصّيف ولهيبه المحرق هذه الأيّام، حيث تناسى الجميع الخلاف حول الموازنة الّتي جرى إقرارها هناك في مجلس الوزراء، وأخذت طريقها إلى المجلس النيابيّ وفق صيغة "لا غالب ولا مغلوب"، حتى فيما يتعلّق بملياراتٍ جرى غضّ الطّرف عنها، لأنّ الحكاية كبيرة... والمشوار طويل؟!
لا شيء يوقف حمّى المونديال في لبنان، لا مطالب الأساتذة، ولا إضراب أساتذة الجامعات، ولا ارتفاع الأسعار، ولا آلام المرضى والفقراء والمعوزين... فجنون كرة "جابولاني" يطغى على كلّ شيء... وزعيق الأبواق الجديدة يلاحق الجميع في بيوتهم وشوارعهم وحتّى في المستشفيات... لنثبت للبرازيليّين والألمان والهولنديّين وغيرهم، بأنّنا أكثر تحضّراً منهم، وأنّ أساليبنا الاحتفاليّة تتجاوز أساليبهم وتفوقها إزعاجاً و"إنتاجاً"، حتّى وإن أدّى الأمر إلى إدخال العشرات يوميّاً إلى المستشفيات بفعل الضّرب والاعتداء، أو بفعل الفوضى وتأثيراتها النفسيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك.
تسأل عن الأسباب، فيجيبك البعض بأنّها "البديل" والمتنفّس في بلدٍ أرهقته الحروب والسّرقات والدّيون... ويقول لك البعض الآخر: ثمّة من لا يتابع على شاشاتنا برامج النّكات، الّتي ضربت بقيمنا التّربويّة والإنسانيّة والأخلاقيّة عرض الحائط، بيد أنّ جمهورها ليس شاملاً، فقد لا تشمل حمّى هذه البرامج الفتية والصّغار... إذاً البديل يكمن في حمّى الفوضى الموندياليّة التي تستكمل مشوارها، لتأخذ أولادنا وفتيتنا إلى مواقع الدّمار الأخرى التي قد تعجز الشّاشات عن سوقهم إليها...
إنّها حمى "المونديال" القاتلة... وقد قرأنا في صحف العدوّ قبل أيّام، وفي أعقاب العدوان على أسطول الحريّة، أنّ الجميع سوف يتناسون هذه المسألة مع انطلاق صفّارة "المونديال"، فالقوم يراهنون على أن ننسى من جهة، وأن نتفاعل من جهة أخرى؛ أن ننسى قضايانا والعدوان علينا، وأن تتفاعل مع فوز الآخرين... وأن يلاحق بعضنا بعضاً، وأن نعتدّى على سلامنا الدّاخليّ بدلاً من أن نردّ عدوان الآخرين الّذين يتحدّثون في كلّ يومٍ عن تحضيراتٍ جديدةٍ للحرب، وأساليب جديدةٍ للرّدع...
أمّا السياسيّون... أولئك الّذين قدّموا للنّاس نماذج متعدّدة ومتكرّرة في حركة اللّهو السياسيّ، والصّخب الجداليّ، فلا يحرجهم أن يبرزوا على الشّاشات، ليعلن هذا بأنّه من مشجّعي الفريق البرازيليّ، وذاك بأنّه "أرجنتيني" أو "ألماني"... وكان توارى خلف السّتار من يشجّع الولايات المتّحدة الأميركيّة، لأنّه لا يزال ينتظر دوراً يأتي في قادم الأيّام، ولكنّ الجميع متساوون في دفع النّاس إلى هذه الملحمة، أو على الأقلّ، في "التّشجيع" الذي بات عملةً لبنانيّةً متميّزةً عن بقيّة العملات في المنطقة والعالم!
إنّها الحمّى غير الرياضيّة التي تأكل الأخضر واليابس، وتجعل القوم صرعى أحلام، وصرعى تخيّلات، فيما يتربّص العدوّ على الأبواب، وهو الّذي اختار لعدوانه في العام 1982 بدايات المونديال، ثم في تمّوز 2006 نهاياته... وها هو يتحضّر لعدوانٍ جديدٍ بمناوراته واعتداءاته وطلعاته الجويّة، وتحضيراته الأمنيّة والسياسيّة. فهل نستفيق من هذه الكبوة، وهل ننقذ أولادنا من حمّى المونديال وعصبيّاته حتّى لا نلدغ من الجحر مجدّداً، وقد لدغنا من هذا الجحر وغيره لعشرات ومئات المرّات؟!!
التاريخ:
13 رجب 1431
هـ الموافق: 25/06/2010
م
|