جريدة بينات>أرشيف رؤية من القلبنشرة العدد 376> صور من يوسف وإخوته / العدد 376


صور من يوسف وإخوته

يوسف نور الدين

تشدّني قصّة نبيّ الله يوسف الواردة في القرن الكريم؛ إذ هي ملأى بالعبر الجميلة، والغايات البعيدة، والحكم البليغة.. إلا أنّها تستوقفني بفرادة أبطالها، المتمثّلين بيوسف وإخوته؛ إذ أراهم أبطالاً لقصّة نادرة لا تتكرّر، وأشخاصاً لحكاية عبرت عبر التاريخ ولا تعاد.

غير أنّنا إذا ما حدّقنا في الواقع، وتبصّرنا في دوائر المجتمع، وأروقة العمل؛ ولو تأمّلنا في المستوى الأبعد الذي يطال المجتمعات والدول، والحركات والمنظّمات، لوجدنا نماذج كثيرة يلمع فيها شعاع من يوسف، وأمثلة كثيرة تتراءى فيها صور لإخوته.

فهذا فردٌ في مجتمع يفوح العبير من ورد سيرته، ينتشر الشذا من زهر تعامله، ويطيب الفيء تحت ظلال حديثه، قوله فصل، ورأيه سداد، وموقفه رشاد، وحكمه صواب؛ لكن بدل أن يُستضاء بشمسه، ويُستنار بقمره، ويُقتدى بنهجه، ويُهتدى بنجمه، نرى أنّ كثيرين ممّن يحيطون به، يتناسون كلّ هذا التألّق، وكلّ مميّزات هذه الريادة، فيعملون على جمعها في حزمة واحدة، وإلقائها في بئر التجاهل، وإسقاطها في غيابة الإهمال.

وذاك واحد من العاملين في مؤسّسة، أيمن على الوقت، دؤوب على العمل، حريص على النتيجة، متعاون، متسامح، خلوق، لا يملّ من العطاء، ولا يتعب من التضحية، حتى يصير قبلة الزملاء في المآزق، ومحجّتهم عند الحرج.. لكن رغم لك، نرى أنّ كثيرين يعملون على وأد هذه الصفات تحت رمال اللامبالاة، ودفنها في وهاد الازدراء، عندما يسنح الوقت وتحين الفرصة.

وتلك دولة شقّت في الصخر طريقها، وأعلت فوق الراسيات بنيانها، وأبحرت فوق الأنواء بأفلاكها، وامتدّ في الربى ربيعها، وضاء في المدى نهارها، حتى صارت ملاذ عزّة، ومأوى كرامة، وإذ بكثير من دول العالم تعمل على جمع صفات هذا المجد، ومميّزات هذا الفخار في حاويات من حاوياته لتلقي بها في أعماق بحر الضلالة، وظلمات لجج الجهالة.

وتلك منظّمة حملت قناديل الحرّية، وامتشقت بنادق الإباء، ورفعت رماح التحدّي، لطرد الغزاة عن أرضها، وإزاحة سدول الليل عن شعبها، أعطت بلا حساب، وجادت بلا حدود، لم يخنها العز حتى تسلّقت الجبال، ولم تتراجع حتى شكّت ألوية النصر في الأعالي.. لكنّ كثيرين تنكّروا لكل ألوان البهاء، ولكل شعاعات الضياء، وتراهم يعملون على إلقائها في بئر عميقة من التضليل، ودفنها في حفر من النسيان.

إنّه كيد المكيد، وحسد الضعيف. فكما خرج يوسف من البئر وعجز إخوته عن إطفاء سراجه، وإلغاء حضوره، سيكون العجز بيّناً، والفشل واضحاً في إلقاء صفات الطيّبين، وسيكون العجزُ أشدّ، والفشل أكثر، في كسر دولة تاقت للعلى، ورامت ربى المجد والحرّية، وستكون الخيبة والانكسار لكل من يحاول أن يلوي علماً للحرّية، أو ينال من طريق للإباء والكرامة.

التاريخ: 13 رجب 1431 هـ  الموافق: 25/06/2010 م