يوسف نور الدين
قد أنسى شيئاً فعلته، أو أسهو عن شيء أطلبه، أو قد يغيب عنّي عنوان صاحب، أو يمّحي من ذاكرتي اسم مكان مررت به.
لكن عندما أضرب موعداً لإنسان، أراني خاطّاً هذا الموعد على مرآة ذاتي، حافراً له على صخر دربي، وأراه حاضراً أمام عينيّ كيفما تحرّكت، وماثلاً في ذهني أينما توجّهت، وأراني حريصاً للوفاء بوعدي في حينه، وجادّاً لتحقيقه في وقته.
وكم يؤلمني إذا ما حالت الظروف دون إرادتي، وقامت العوائق دون جهدي، أو ضاق وسعي عن الوفاء بوعدي، فأراني مُسرعاً للاعتذار، مُقدّماً أوراق الأسف، وطالباً السماح وحسن التجاوز.
وكم أعجب لمن لا يبالي بوعده، لا بوقت حدّده، ولا بعمل عيّنه، ولا بقرار اتخذه، ولا بقول نطق به، فهو يعِد ويُخلف كمن يكتب ويمحو، وكموج يروح ويجيء، والوعد عليه سهل، والخلف عليه ليس بالصعب، لا يبالي بتقديم اعتذار ولا يكترث بإعلان أسف، وإن اعتذر فليس عن مشاعر، وإن أسف فليس انعكاساً لعواطف، وإن طلب السماح فليس عن حقيقة، بل خلاصاً من إحراج، وإن أبدى شيئاً من الألم، فليس عن واقع، بل تبريراً لمسار.
إنّ الشمس تعدنا ان تطلّ علينا كل صباح، بنهار واضح، وعندما تختفي وراء حجب الغيم، ترسل حبّات المطر رسائل اعتذار، أو رياح الصبا لتعزف على أوتار الشجر ألحان الأسف.
وإنّ الربيع يعدنا أن يأتي كلّ عام، وإن تأخّر ملأ السّهل خضرة، والربى ألواناً، وفجّر الانهار خيراً، والينابيع فيضاً عميماً، وأطلق البلابل مغرّدة، والفراشات متنقلة، تعويضاً عن الوقت الفائت، والفرصة الضائعة.
وإن الشّمعة تعدنا أن تسهر معنا الليل؛ تسامرنا ونحن نكتب، أو تساهرنا ونحن نقرأ، وإذا ما ضاق وسعها، وعجزت قدرتها، وأضناها السهر، وأعياها النصب، أبقت شعلتها ملتهبة، ما استطاعت، ومدّت جسدها صفحةً بيضاء يخطّ عليها الليل أجمل كلمات الأسف، وأروع تعابير الاعتذار.
فتعالوا نكن شموساً عندما نعد أحداً نطلّ عليه بصباح صدقنا، وإشراق وفائنا، لنكون نهاراً يسطع، وضوءاً يشعّ في الوقت المحدّد والمكان المعيّن.
وتعالوا نكن ربيعاً، عندما يؤخرّنا الظرف، أو يباعدنا الطريق عن الوفاء بوعد أحد، لنملأ حقله خضاراً ونضارا، ورياحين وأطيارا، وسواقيَ و أنهارا، عبير وفاء وشذا اعتذار.
وتعالوا نكن شمعة نضيئ كما وعدنا، وعندما نذوب نُسرُّ في أُذن الليل حكايا لا تترك لأحد نظرة لوم أو كلمة عتاب.
|