أخبار >مقابلات>مقابلة مع الشيخ د.علي مرزة مسؤول الفعاليات الثقافية للنجف عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2012م

على هامش إختيار النَّجف الأشرف عاصمة للثَّقافة الإسلاميَّة للعام 2012
الشَّيخ علي مرزة : النَّجف الأشرف تمثِّل عاصمة الثّقافة تاريخيّاً وحاضراً ومستقبلاً

لقد جاء اختيار النَّجف الأشرف كعاصمةٍ للثَّقافة الإسلاميَّة لعام 2012 من قبل  المؤتمر الإسلامي السادس لوزراء الثقافة للدول الإسلامية ، كمناسبةٍ لها وقع مميَّز في نفوس المسلمين عامّةً، لما تشكّله في الوجدان الشّعبيّ الإسلاميّ بشكلٍ عام من مكانة مقدّسة. كما لا يخفى ما لها من دورٍ وأهميَّةٍ كحاضرةٍ من حواضر العالم الإسلاميّ، حيث كان لها الدَّور الرّياديّ البارز في تقديم الفكر الإسلاميّ الأصيل، وشكّلت حاضنة أساسيَّة له، إضافةً إلى ما خرَّجته هذه الحاضرة من علماء بارزين ومميَّزين كان لهم الدّور الأساس والفاعل على مستوى إظهار الإسلام ومفاهيمه الحقَّة...

 حول النّجف عاصمة للثّقافة الإسلاميّة للعام 2012، وغيرها من المواضيع، أجرى موقع بينات حواراً مع سماحة الشّيخ علي مرزة مسؤول الفعاليات الثقافية للنجف عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2012م ، عضو مجلس محافظة النجف الأشرف ومسؤول العتبات المقدّسة في النجف، إلى جانب كونه رئيس مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر ، و اضطلاعه بمسؤوليات أخرى في النجف الأشرف:

عاصمة الثّقافة: نشاطات ومعوّقات

س: سماحة الشَّيخ، بدايةً، بالنِّسبة إلى هذه المناسبة الكبيرة، ما أبرز النّشاطات الّتي ستقومون بها؟ وما هي المعوّقات الّتي تواجهونها إلى الآن؟

ج: كما تفضَّلتم، إنَّ النَّجف تعيش في الوجدان الإسلاميّ أينما كانت، لأنَّها تمثِّل عاصمة الثّقافة تاريخيّاً وحاضراً ومستقبلاً. لذلك، هي لا تحتاج إلى استعداداتٍ ولا إلى شيءٍ جديد، وإنَّما هو إرثٌ علميّ يرجع تاريخه إلى أكثر من ألف عام. نعم، في هذه المناسبة الرَّسميَّة، نحتاج إلى إظهار ما تزخر به النّجف الأشرف مما دوَّنته من معارف في جميع العلوم، لا في علم الفقه والأصول فقط، وإنَّما في جميع العلوم. وفي الحقيقة، فإنَّ الظَّالمين لم يفسحوا لهذا التَّدوين  المجال، وإنَّما حصروه قهراً في زوايا الطّابق الأرضيّ لبيوتات النّجف الأشرف، وإذا خرجت منه ورقة، فإنّ ذلك كان سيكلّف حاملها الشَّيء الكثير. ولذلك، استشهد من أجل ذلك، ومن أجل الحفاظ على هذا التّراث، مئات الآلاف من أبناء النَّجف الأشرف..

ومن المعوِّقات الّتي نواجهها، الذّهنيَّة العراقيَّة الّتي لا تطلَّع على ما وصلت إليه التّكنولوجيا خارج العراق، وكذلك الوضع العراقيّ السياسيّ والأمنيّ الّذي لم يستقرّ بعد، إضافةً إلى أنّ القانون العراقيّ الماليّ، الّذي تخضع ماليّة المشروع له، هو عائق آخر.

ومن جملة العوائق، أنَّ الوقت لم يكن كافياً، ولم يكن لنا شيء بعد على الأرض، لا من حيث الإنشاء والبناء، ولا من حيث تأمين بناءٍ يحتضن الفعاليّات العلميّة والثّقافيّة في النّجف الأشرف.. ولكن عندما وقع ـ كما يقولون ـ الفأس على رؤوسنا، شعرنا بأنَّ هناك مسؤوليّةً، باعتبار أنَّ الفشل ـ لا سمح الله ـ في إظهار هذه العلوم وهذه الثَّقافة، يعدّ انكساراً للكثيرين، وإن نجح، يكون له ثماره عند كلّ من يؤمن بالنّجف الأشرف كحاضرةٍ إسلاميّة..

أنشأنا المدينة الثقافيَّة، الّتي هي أكبر بناء ثقافيّ في الشَّرق الأوسط، على رغم قصر الفترة الزمنيَّة، وهو يحتوي على قاعتين؛ القاعة الأولى للمؤتمرات، وتسع 2500 شخص، وفيها قاعة أخرى للمسرح الفنّيّ، كما يوجد فيها بناء من ثلاثة طوابق؛ الطابق الأوّل سيُملأ بمتحف النّجف الأشرف الوطنيّ، وهو ما يقع على عاتق وزارة الآثار والثَّقافة، والّتي سوف تجلب ما هو مختصّ بالنّجف الأشرف من آثار. أمّا الطّابق الثّاني، فمختصّ بمتحف مشاهير النّجف، ونحن عملنا إلى الآن نصف العمل في هذا المتحف، حيث أنجزنا العمل على تسع وخمسين شخصيّة من مشاهير النَّجف، تبتدئ بالشيخ الطوسي، وتنتهي بعصرنا الحاضر. وقد أخذنا من العلماء الأحياء واحداً فقط، وهو الشّيخ باقر القرشي، لأنّه رجل كبير ومعطاء. وهذا المتحف ينقسم إلى عدّة غرف، ومن جملة الغرف، غرفة العلماء اللّبنانيّين، الّذين ولدوا وعاشوا النّجف، ومنهم السيّد محمد حسين فضل الله، والشّيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيّد عبد الحسين شرف الدين، والشّيخ محمد جواد مغنيّة. إنَّ ما يميِّز حوزة النّجف الأشرف عن بقيَّة الحوزات والمدارس، أنَّها منفتحة على العالم كلّه في مختلف حضاراته الدّينيَّة الّتي تؤمن بالغيب، وغير الدّينيّة التي تؤمن بالمادَّة...

الانفتاح الفكريّ للنَّجف

س: لا يخفى ما للنّجف من أهميّة رياديّة كحاضرةٍ من حواضر العالم الإسلاميّ قديماً وحديثاً. هل هناك تواصل للنّجف بنخبها العلميّة والفكريّة مع حواضر العالم الإسلاميّ الأخرى، مثل الأزهر وقمّ؟

ج: إنَّ ما يميِّز حوزة النّجف الأشرف عن بقيَّة الحوزات والمدارس، أنَّها منفتحة على العالم كلّه في مختلف حضاراته الدّينيَّة الّتي تؤمن بالغيب، وغير الدّينيّة التي تؤمن بالمادَّة، فهي متميِّزة في كثيرٍ من الأمور، لأنَّها تحمل الحجَّة البالغة، وتحاكي العقول، وقد اشتهر عن النَّجف الأشرف عبارة: "نحن أبناء الدَّليل، أينما مال نميل". نحن لم نضع الحواجز أمام أيِّ إنسانٍ أو أيِّ فرقةٍ أو أيِّ مدرسةٍ فكريَّة، وقد كانت هذه ميزة النَّجف، والفكر الشّيعيّ جعل باب الاجتهاد مفتوحاً، بمعنى أنّه يأخذ بكلِّ الاستنباطات، ويراعي كلِّ المدارس، فهو يقرأها بتفحّصٍ وعلمٍ وتدقيق، فأينما يشاهد الدَّليل يأخذ به، وهو له رأيه المستقلّ، وهذا ليس ادّعاءً، وإن شاء الله، ما سنعرضه في مدينة النَّجف، وبمناسبة إعلانها عاصمة الثَّقافة الإسلاميَّة، من المواثيق الكتبيّة والصّوريّة، سيتبيّن من خلاله أنَّ مدرسة النّجف الأشرف لم تكن منغلقةً أبداً..

آليَّة إحياء دور النَّجف

س: كيف بالإمكان إعادة الدّور المركزيّ والحيويّ إلى النَّجف على كلِّ المستويات، وخصوصاً على مستوى الإعلام. اليوم هناك وسائل إعلاميَّة جديدة، كالإنترنت ووسائل الاتّصال الحديثة، فكيف يمكن ربط النَّجف ونتاج النَّجف بهذه الوسائل؟ هل هناك من آليّات متَّبعة في هذا المجال لإعادة إبراز دور النَّجف المركزيّ والحيويّ؟

ج: لم تنقطع النَّجف في انفتاحها حتَّى نفكِّر في كيفيَّة انفتاحها من جديد. نعم، حصل الانقطاع من الخارج إلى الدّاخل، أمَّا من جهة ذاتيَّة الحوزة أو النّجف الأشرف، فهي منفتحة، ولكنّ النظام البائد (في العراق) وضع الحواجز الكبيرة، باعتبار أنّه لم يكن هناك وسائل غير الكتابة والصّور، وقد اتّبع العلماء وسائل أخرى، على الرَّغم من الحصار الّذي كانت تعيشه النّجف في كلّ شيء. وانتفاضة شعبان تشهد على أنّه كان للظّالمين دور دكتاتوريّ بغيض جداً وكلّف الشعب العراقيّ الدّماء الكثيرة، لكنّ علماءنا عندما كان ينغلق عليهم باب، كانوا يتعاملون من خلال ألف شبّاك.. وحتّى عند احتلال أمريكا للعراق، لم يقف علماؤنا مكتوفي الأيدي، وإنّما كان هناك انفتاح على جميع المؤسّسات العالميّة صاحبة القرار.

أمَّا في الجانب الإعلاميّ، فنشير إلى أنَّه قبل سقوط النّظام، لم يكن العراقيّون ولا المؤسّسات يمتلكون إلا الحاسوب المتخلّف، وقد كان هناك مراقبة على استعماله، وكان استخدامه يحتاج إلى إجازةٍ من الأجهزة الرّسميَّة من صدّام، وكان الإعلام كلّه منحصراً بصدّام.. بعد سقوط النّظام وحصول عمليَّة التّغيير، انفتح العراقيّون على العالم، وها هم الآن يخطون خطوات كبيرة في المجال الإعلاميّ.. لكن نعم، لو قارنَّاه مع الحضارة الإعلاميَّة العالميّة، لرأيناه متخلّفاً ويسير سير السّلحفاة. وفي الوقت نفسه، علينا أن لا ننسى أنّ ما يجري من تفجيراتٍ من قبل تنظيم القاعدة، ومن قبل الأحزاب الإرهابيَّة، ومن قبل المغرضين من الدّول الإقليميَّة يضع حواجز ومعوِّقات أمام الحركة الإعلاميَّة، إلا أنّه لا يقف أمام الإرادة العراقيّة، ولا أمام الحوزة العلميّة في النّجف الأشرف.

بعد سقوط النّظام وحصول عمليَّة التّغيير، انفتح العراقيّون على العالم، وها هم الآن يخطون خطوات كبيرة في المجال الإعلاميّ...

العالم الّذي خسرته النّجف

س: يقول سماحة الشّهيد الصّدر(رض)، إنّ كلّ من خرج من النّجف قد خسر النّجف، إلا سماحة السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، عندما خرج من النّجف خسرته النّجف. ما هو الأثر الفكريّ والفقهيّ الّذي تركه سماحة السيّد المجدّد في البيئة النجفيّة عامّة؟

ج: ماذا أقول عن هذه الكلمة الّتي أصبحت بديهيّةً ويتداولها المسلمون الشّيعة وغير الشّيعة في العراق وخارجه؛ إنَّها كلمة تختصر ما كان يمثّله هذا الرّجل من قمَّة في العلم، فقد بثّ السيِّد فضل الله(رض) حركة وعي، كانت تتمثَّل بخطواتٍ حركيّةٍ في الفكر والعقل والسّلوك، كانت عمليَّة تجديدٍ في فهم النّصوص الّتي تركها الآخرون.. وقد كان سماحته يمثّل موسوعةً في مسألة العلوم، باعتبار أنّ علمه لم يكن يقتصر على عالم الحوزة. ففي عالم الحوزة، يكون الاهتمام عادةً بأمور الفقه والأصول بما تزيد نسبته عن 90 في المئة، وأمّا بقيّة العلوم، فلا تعطى من الاهتمام إلا بنسبة قليلة.. ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا شخصيّات معدودة جدّاً، وعلى رأسهم، سماحة السيّد محمد حسين فضل الله..

كان سماحة السيّد محمّد حسين فضل الله يمثّل موسوعةً في مسألة العلوم، باعتبار أنّ علمه لم يكن يقتصر على عالم الحوزة...

المعروف عن الشَّهيد الصَّدر أنّه قمّة في العلم، وهذا متّفق عليه بين الجميع، ولذلك، فهو يعرف قيمة العلماء ودرجاتهم، وعندما يقول هذه الكلمة عن السيّد فضل الله، بعد خروجه من العراق إلى لبنان، فلأنّه كان يدرك ما يتركه رحيل سماحة السيِّد من نقص من النّاحية العلميّة والتّنظير وبناء المجتمع الفقيه. وفي الحقيقة، فقد ثلم خروج السيّد فضل الله في النّجف ثلمةً لم يسدّها أحد حتَّى هذا اليوم.. لذلك كانت هذه الكلمة من إنسان عالم أديب، وقد اختصرها بكلمتين، إلا أنّنا لو أردنا أن نعطي سماحة السيّد حقّه، فستعجز الألسنة عن التَّعبير عن التّأثير الّذي تركه على السّاحة الإسلاميَّة، وعلى كلّ الصّعد. لقد ثلم خروج السيّد فضل الله في النّجف ثلمةً لم يسدّها أحد حتَّى اليوم، ولو أردنا أن نعطيه حقّه، فستعجز الألسنة عن التَّعبير عن التّأثير الّذي تركه على السّاحة الإسلاميَّة...

أجرى الحوار: محمد فضل الله

التاريخ: 29 صفر 1433 هـ  الموافق: 24/01/2012 م