السيرة الذاتية>في عمق السكون

كلماتٌ تختصر الحياة

عناصر القوّة المكوّنة لشخصيته...
مراحل الانعطاف الأساسية في حركته...
ونهاية الامتداد على هذه الأرض التي لامست السماء روحاً، وحاكتها انفتاحاً وصفاءً..
هذه مسيرة القصة الحوارية مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه)
لِتُدوَن له الحياة بصوتِه، تراثه الرسالي بعد رحيله إلى منطقة بقائه وسروره...

فهـم الحيـاة

  •  كيف يفهم سماحة السيد الحياة؟

على الإنسان ألاّ يجعل الزمن مجرد لحظات تمرّ، بل عليه أن يحاول أن يملأ الزمن بكل معاني إنسانيته، حتى يتحول الزمن إلى عنصرٍ من العناصر التي تمنحه معنى من حياة. ربما يتصوّر البعض أن الحياة تتمثل هذه الحياة الجسدية التي تحرِّك كل أجهزته، ولكنّي أتصوَّر أن هذا يمثِّل آلية الحياة وليس الحياة نفسها. إن إنسانية الإنسان عندما يقول: "أنا"، أو عندما تقول: "أنت"، ليست هي هذا الجسد، وإنما الإحساس بكل عنصر داخلي يتحرك في إطار هذا الجسد.

لذلك كنت منذ البداية أشعر بالزمن وهو يتحرك في وجودي، وكنت لا شعورياً في البداية أحاول أن أُغني هذه الحياة التي تضجُّ في هذا الوجود المادي... كنت أحاول أن أغنيها بفكرٍ أيّ فكر! ولذلك كانت الحياة الفكرية عندي تشبه الفوضى، لم أخطّط لها، ولكني كنت ألتقطها، وكنت أحاول ـ مهما صدَمَتْني المحاولة ـ أن يكون ما أتمثّله من هذا الفكر الذي يغني الحياة جديداً. لذلك عشت الجِدَّة منذ بداية عمري، ربما لم أكن أختزنها في العمق.. ربما كانت تطفو على السطح... ربما كانت تترك تأثيرها على كلماتي وأسلوبي، ولكنها كانت تشعرني بأني أحيا في العصر الذي أعيش فيه...

إنني أفهم الحياة بأنّها هذه الحيوية العقلية والروحيّة والحركية التي تمثل الوجود الإنساني الذي يبحث عن فكرٍ ينغرس فيه، وعن مستقبل يصنعه، وعو روح يسمو معها ويصفو...

  •  هل نستطيع أن نوقّت مرحلة الانتقال من اللاشعور إلى الشعور في هذا الفهم؟

عندما أسترجع الذكريات، فإنني أتصوّر أن رحلة الوعي كانت مبكرة جداً، ففي العاشرة من عمري قمت بتجربة شعرية مبكرة، وإنني أتحسس في هذه التجربة أن هناك شيئاً من الوعي للحياة في الانفتاح على المستقبل، كما تمثّله هذه الأبيات:

فمن كان في نظمِ القريضِ مفاخراً            ففخريَ طُراً بالعُلا والفضائِـلِ

ولست بآبائي الأبـاة مُفاخـراً           ولست بمن يبكي لأجلِ المنازلِ

فإن أكُ في نيـلِ المعـالي مقصّراً            فلا رجّعت باسمي حُداةُ القوافلِ

سأنهج نهـج الصالحين وأرتـدي           رداء العلا السامي بشتى الوسائلِ

وأجهد نفسي أن أعيش مُعـزّزاً           وليس طلاَبُ العزِّ سهلَ التناولِ

إنني في هذه الأبيات أستذكر أنني كنت أشعر بالمستقبل يناديني بأن أعيش الفضائل... بأن أسمو في درجات العلا... بأن أعيش معزّزاً.. بأن أكمل مسيرة الصالحين.

لا أدري كم كان وعيي لهذه المفاهيم، ولكن مثل هذه المفردات تعني أن هناك وعياً لمسؤولية الحياة في حركتي في اتجاه المستقبل.. ومن الطبيعي أن هذه الحركة تطورت، بحيث إني اكتشفت إسلاميتي في وقت مبكر؛ ولذلك لم أشعر بنفسي في أي مرحلة من مراحل حياتي بما هي المرحلة الحائرة بين الطفولة والشباب، لم أشعر أني شيء آخر غير الإسلام.

لذلك كنت أتحسس الإسلام في وجداني بحسب ما كنت أتمثله من ثقافة آنذاك.. كنت أتحسس الإسلام كشيء يعيش في وجداني في اللاشعور ويتحرك في حياتي في مواقع الدراسة. ولهذا فقد عملت في وقتٍ مبكرٍ، وذلك في سنة 1947م، وقد كنتُ في الثانية عشرة من عمري.. عملت مع بعض أصدقائي على إصدار مجلة خطية كنّا نوزّعها على حسب عدد المشتركين، ونكتبها تحت اسم "الأدب"، وأذكر أن العدد الأول كان خاصّاً بالإمام الحسين(ع)، ما يوحي بأن المسؤولية الثقافية الإسلامية كانت مبكرة في وجداني.

وهكذا كنت أتحرّك في المحافل النجفية لألقي شعراً هنا وشعراً هناك على حسب التجربة الشعرية.. وربما كان قمة هذا الإحساس في مسؤولية الحياة في الحركة، موقفي في بيروت في سنة 1952م في أربعين المرحوم السيد محسن الأمين (ره)، في حفلٍ كان يضم مختلف العلماء الكبار، كالسيد عبد الحسين شرف الدين (ره) وأمثاله من العلماء، ومختلف المفكرين والصحافيين والزعماء والسياسيين، حيث ألقيت هناك قصيدة عندما أقرأها الآن ـ وهي منشورة في أعيان الشيعة ـ أتحسس أني كنت في تلك المرحلة أتصور أن علينا أن نبني من الحضارة الماضية الحضارة الجديدة، وكنت أتصور أن على الإنسان أن يتحرر من قيوده، وذلك في وصفي لشخصية السيد محسن الأمين، أقول:

تهوى التحرّرَ نفسُها وتعافُ رائحةَ القيودِ

تبني من المجدِ التّليدِ حضارةَ المجد الجديـدِ

كنت أتصوّر أن على الإنسان أن يتحرر من القيود، وأن يحاول أن يبني الحضارة الجديدة، وفي الوقت نفسه، كنت أتحدث عن مشكلة الاستعمار ـ وقد كان انحساره عن لبنان مبكراً ـ، وكنت أتحدث أيضاً عن الوحدة الإسلامية، وعن مشاكل الشباب الاجتماعية في يأسه وضياعه.. إنني عندما أدرس هذه القصيدة والمرحلة، أتمثّل أن الحياة كانت تضجُّ في كياني، وربما أشعر بالغرابة أنّه كيف لشاب لم يصل إلى السابعة عشرة من عمره بعد، أن يختزن هذه المشاعر والأحاسيس المنفتحة على الجديد، في وقت يعيش في بلدة مغرقة في القديم، وهي "النجف الأشرف" في تلك المرحلة، وتلك الفترة.

وأتذكَّر وأنا في أوّل زيارة للبنان ـ لأني ولدت في النجف ـ أتذكر أنني كنت أتحرك في ندوات حوارية مع مختلف التيارات الحزبية، كالشيوعية والقوميين العرب والبعثيين، بحيث كنت أشعر بالمسؤولية بحسب ما كان لديَّ من حجم ثقافي.

إني أتصوّر أن حياتي التي عشتها كانت تنطلق من إحساس بالمسؤولية عن إغناء تجربتي الحياتية، ومحاولة إغناء تجربة الآخرين، وكانت مسألة الصراع الذي ينفتح بالحوار على الاختلاف الفكري، مسألة أساسية، ولذلك أستطيع أن أقول إنني بدأت الحوار مبكراً، وذلك منذ أكثر من خمسين سنة.

  •  الجوّ الملتزم، ألم يؤثِّر في طريقة فهمكم للحياة وتوقكم للالتزام بالإسلام؟

عندما أرجع بالذاكرة إلى الوراء، أرى أنّ هذا التوق للالتزام الثقافي بالإسلام، منطلقاً من الساحة العراقية آنذاك، والتي كانت تتحرّك في العهد الملكي السابق، وتضجُّ بالتيارات الماركسية والقومية والديمقراطية وما إلى ذلك.. بحيث كان هذا الانتماء الساذج للإسلام في نفسي من خلال البيئة التي عشتها أو المشاعر التي كانت تتحرك في داخلي... ربما كنت أشعر بالقلق أو التناقض بين ما تعيشه البيئة من هذا الجمود الحركي وبين فهمي، لأنّ المرحلة التي بدأتها لم تكن مرحلةً تختزن حركة إسلامية بالمعنى الذي نفهمه للحركات الإسلامية.

لذلك كانت المسألة مسألة قلق: كيف نواجه هؤلاء الذين يلتزمون خطاً غير خط الإسلام، أو الذين يقفون بشكلٍ مضادّ في مواجهة الإسلام وما إلى ذلك، ما جعلني أفكّر ولو بطريقة ضبابية؟! أنه لا بد أن نعمل شيئاً، لا بد أن نفكر بطريقة أخرى. ولذلك كنت من خلال هذه الأفكار التي هي ضد الاستعمار، أو ضد الطائفية في الواقع الإسلامي، أو التي تحاول أن تدرس واقع الشباب ومشاكله. كنت أبحث عمّا يمكن أن نقدّمه للناس مما يواجه الطروحات الأخرى. وليست مسألة البيئة الملتزمة هي ما يمثّل هذه الحالة الجنينية التي كانت ترقد في الأعماق، وإن كان الالتزام يمثِّل المنطلق باعتباره يُهيِّىء المفردات الراقدة في الأعماق، لكني أعتقد أن حركة الصراع هي التي جعلت الإنسان يعيش هذا القلق المعرفي والقلق الإسلامي، في عالم يتحرك فيه الآخرون في اتجاه غير اتجاه الإسلام.

  •  تحدّثتم عن الفترة الحائرة بين الطفولة والشباب، أين تمركزت هذه الحيرة؟

من الطبيعي أنك عندما تكون وحدك وتكون لك تطلّعاتك، فأنت تواجه مستقبلاً يضج بالتيارات والصراعات، وتتطلّع إلى حاضرٍ يحاول أن يجرّك إلى الجمود، ويجرّك إلى الابتعاد عن حركة الحياة، أو يجرك إلى الخلف. لذلك عندما تفقد الآليات المتحركة التي يمكن أن تجذبك إلى المستقبل، أو يمكن أن تجذر فكرك في حركتك نحو المستقبل، فمن الطبيعي أن تعيش الحيرة، لا حيرة اليأس ولا الحيرة السلبية، ولكنها الحيرة التي تمثِّل حالة القلق الذي يبحث ويبحث ويبحث عن منفَذٍ هنا وعن أفقٍ هناك. لذلك لم أعش الحيرة الضائعة، كنت أعيش، ولا أزال أعيش الحيرة المنفتحة الباحثة التي تعيش قلقَ المعرفة وقلق الواقع.

  •  ألم تكن حيرة في فهم الحياة؟!

كانت حيرة في نوعيّة الدخول إلى الحياة، فعندما تفقد الآليات التي بحجم التحدي، فإن من الطبيعي أن تعيش الحيرة: ماذا أعمل؟ ماذا أفعل؟ كيف يمكنني أن أفتح هذه النافذة؟ كيف يمكنني أن أسُدَّ هذه الثغرة، كيف يمكنني أن أحقّق فكري في الواقع؟...

  •  هل ما زلت تعيش القلق؟

لا أزال أعيش القلق الذي يدفع إلى المعرفة. أنا أعتقد أن الذي لا يعيش القلق لا يمكن أن ينمو. عندما تعيش قلق الحياة، وقلق المستقبل، وقلق المسؤولية، وقلق الثقافة، فإنك تبدأ بالانفتاح والانطلاق والنمو. أما الإنسان الذي يستريح ويسترخي، ويشعر أن ليس هناك مشكلة ولا قضية فمن الطبيعي أنه سوف يزيد جموده جموداً.

  •  بعد كلِّ هذه الحياة المليئة بالحركة والوعي والانطلاق، هل تعلنون أنكم فهمتم الحياة فهماً كاملاً؟

لا يمكن أن يعلن الإنسان فهم الحياة، لأنّ الحياة ليست مجرّد لوحةٍ مكتملة الملامح والجوانب، إنَّ الحياة تعطي في كلِّ يومٍ من خلال ما تتمثّل في الإنسان فكراً جديداً، وإحساساً جديداً، وشعوراً جديداً، وتطلّعاً جديداً. لذلك لن يستطيع أحد أن يزعم لنفسه أنه استطاع أن يكتمل فهمه للحياة. إنني أستطيع أن أقول إنني اغتنيت بالحياة في الجانب المعرفي لكثيرٍ من ركائزها وملامحها وحركيتها وصراعاتها وأحداثها، ولكن يبقى من الحياة الكثير لما يتجاوز العمر، ولما ينفتح على أعمارٍ جديدة وعلى أجيال جديدة.

المعاصرون والمسؤولية

  • إن كثيراً من الذين عاشوا معكم وعاصروكم، ومن الذين كانت لهم ذهنيات وعقليات على مستوى كبير.. لم نرهم يعيشون المستوى المطلوب من المسؤولية كما تعيشون؟!

ربما كان الفرق بيني وبين أصدقائي هو أنهم كانوا منسجمين مع البيئة، ويعيشون كل مفرداتها ولا يتطلعون إلى أبعد منها، بل ربما كانوا يشعرون أن الابتعاد عن مفردات البيئة والتطلّع إلى آفاق جديدة يسيء إلى مواقعهم، أو إلى روحانيتهم، أو يسيء إلى ما يخطّطونه من مستقبلٍ يدفعهم إلى أن يحصلوا على الثقة من الناس بهذه الطريقة التقليدية المعروفة في البيئة النجفية، وغيرها من الحوزات.

بينما كنت منذ البداية أطلُّ على عالمٍ آخر، كنت أقرأ مبكراً، أقرأ الصحافة المصرية مثلاً، سواء كانت الصحافة الأدبية أو الصحافة السياسية، وكنت في ذلك الوقت أقرأ الترجمات لبعض القصص أو الروايات الفرنسية، ما جعلني أنفتح على هذا العالم وإن كان بشكل ضبابي، وجعلني أحس بهذه النبضة الحركية في وجداني..

فلقد اكتشفت الإسلام الحركي مبكراً قبل أن يكون هناك حزبٌ إسلامي، فأنا لم أنتظم في ذلك الوقت، لا في حركة التحرير التي كانت موجودة، ولا في الإخوان المسلمين، ولكني كنت أعيش قلق الإسلام، حتى إني كنت في حواراتي مع مختلف التيارات في لبنان أو في العراق، كنت أتحدث كأيِّ إنسان مسلم يتحدث مع أناس آخرين يلتزمون تيارات أخرى. ومن الطبيعي أن ثقافتي لم تكن بالمستوى الذي يمكنني أن أؤكد فيه الفكر الإسلامي بشكل كبير، لكنّ الله سبحانه وتعالى أعانني في تلك الحالة، فكنت أحقِّق نجاحاً مع الذين أحاورهم.

  •  وبُعْدُكم عن العالم من خلال أجواء النجف...!!

لم أكن بعيداً عن العالم، بل كنت بعيداً عن ملاعب الطفولة، لم تكن لديَّ طفولة متحركة كما كانت لدى الأطفال، كانت النجف تثير الحزن، باعتبار أنها كانت تستورد كل جنائز العراق في وادي السلام ( المقبرة المشهورة ) ، وكنت أتحسَّس المأساة العاشورائية في كلِّ هذه العادات أو كل هذه المواكب.

ولكن كما قلت: لقد أعانتني على ذلك قراءاتي المنفتحة من جهة، وساحة التحدي التي كنت أعيش الوعي فيها من جهة ثانية.

الوالـد والقداسـة

  •  الواقع دائماً يتعامل مع الرجل المقدَّس بقداسة، ووالد السيِّد كان متميزاً في قداسته، كيف تجاوزتم هذه الحالة من خلال علاقتكم بسماحتِه؟

في الحقيقة، كان سيدي الوالد يمتاز بشخصية تفيض روحانيةً، ولكنها كانت شخصية موضوعية، فقد كنت في طفولتي أناقشه في دروسي التي أدرسها عليه وأنا على مائدة الطعام معه...

كان يفتح لي عقله وقلبه، ولذلك كانت رحلتي معه رحلة حوار. حتى إنني كنت أقول له في بعض مدارج الشباب: "يا سيّدي، فلنتحدّث في الكُفْرِيات".. وأقصد بالكفريات: المسائل التي لا تناقش في الهواء الطلق، ولكنها تحتاج إلى جدل وتحتاج إلى تحليل وتحقيق. وكان يتّسع صدره لي، وكنت أجده في أية لحظة من اللحظات عندما أثير أمامه بعض الإشكالات، في هذه الروح الحوارية المنفتحة التي لا تتعقّد من سؤال ولا تحرج منه.. كان الفضل في هذه الروح الحوارية يعود إليه. فالسيّد الوالد لم يكن مقدَّساً منغلقاً بل كان منفتحاً.

الراحـة عليَّ حـرام

  • "الراحة عليَّ حرام". ما هو مستندكم الفقهي ـ الحركي لذلك؟ وهل استطعت فعلاً أن لا ترتاح؟

إن المستند الفقهي هو "قاعدة المسؤولية"، فأنا عندما أتحسَّس أنني أستطيع أن أخدم الإسلام أكثر، وأن الإسلام بحاجة إلى ما أملكه من طاقات أكثر، وأن الناس بحاجة إلى أن أحرك تجربتي في حياتهم أكثر، فإنني أشعر أن مسؤوليتي تمنعني من أن أعيش حالة فراغ، أو أن أعيش حالة راحة لاهية عابثة. لذلك فأنا أعيش كإنسانٍ شاعرٍ يحبُّ الجمال، ويحب الطبيعة ويحب الحياة.. لكني لم أعش في كلِّ حياتي هذا الاسترخاء في الطبيعة أو الاسترخاء أمام حالات اللهو والعبث في الحياة، قد يكون ذلك مزاجاً، ولكنه في الوقت نفسه يمثل كل أسلوب حياتي، فأنا قد لا أجد الوقت الذي أفرغُ فيه لنفسي أو لأهلي حتى الآن وأنا في الطريق إلى السبعين.

لا أحمل في قلبي حقداً على أحد

  •  لا أحمل في قلبي حقداً على أحد"، مرتبة عالية في إنسانيتكم، هل يمكن أن تتحدثوا عن ذلك مع كل هذا الجو الحاقد عليكم؟

لقد تعلَّمت من رسول الل ه(ص) ذلك، عندما قرأت سيرته، ورأيتُ أنه كان مفتوح القلب لكل الناس، وأنه كان يقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون". وتعلمت ذلك من علي(ع) عندما كان يقول: "احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك".

إنني أتألّم مما يتحرك به هؤلاء، ولا أدعي لنفسي أني أبتعد عن الأحاسيس والمشاعر، فقد كان رسول الله(ص) كما حدّثنا الله تعالى عنه، يحزن، وكان يعيش الضيق مما يمكرون، لذا قال الله له: {ولا تحْزَن عليهم ولا تكُنْ في ضيقٍ ممَّا يمْكُرُون} [النمل:70]، لكني أحاول دائماً أن أدرس نقاط الضعف التي فرضت عليهم ذلك.. كنت أدرس التخلّف الذي يعيشون فيه والجهل الذي يعيشون فيه، والذاتيات التي يدورون في فلكها، ولذلك كنتُ أشفِقُ عليهم من أنفسهم أكثر مما أشفق على نفسي منهم.

إنني أؤمن بحقيقةٍ وهي أنّ عليك أن تحبّ الذين يخاصمونك لتهديهم، وتحب الذين يوافقونك لتتعاون معهم.

إنّ الحياة لا تتحمل الحقد.. الحقد موت والمحبة حياة، وأنا أريد أن أحيا ولا أريد أن أموت.

  •  هل استطعتم فعلاً ـ في هذه الفترة المشحونة ضدّكم ـ أن تحبُّوا من حَقَدَ عليكم؟

إنني أستطيع أن أقول إنني لا أحقد عليه، وربما يتحوّل هذا اللاحقد إلى شيء من المحبة العقلية.. رغبةً في أن يبتعد هذا الإنسان عما هو فيه من خطأ، أو عمّا هو فيه من تخلّف.

  •  "لم أعش العقدة من أحد"، تميُّز في الذات عن طريق الرسالة، لكن أليس من الصعوبة ألاّ نعيش العقدة ممن يحارب الرسالة؟

العقدة تأكل صفاءك؛ فأن تتعقّد، أن تمنع نفسك من هذه الرحابة الإنسانية، لكن يمكن أن تواجه ما يمثل العقدة عند الناس بتحويل المسألة إلى حالة فكرية، تناقش فيها ما يحركونه، أو ما يسيرون فيه، أو ما ينطلقون به.

التنـازل في الحوار

  •  البعض يتّهمكم بأنكم تنازلتم حوارياً عن كثير من المبادىء لبعض الاعتبارات مثل الوحدة أو مراعاة إنسانية الآخر أو...!

أما إنني أتنازل عما أنا فيه تحت تأثير الوحدة؛ فهذا أمرٌ أتحدّى كلَّ الناس (بمحبة) أن يثبتوا مفردةً فيه. إنني أؤمن بالوحدة الإسلامية، ولكن لا أؤمن بالتنازل عن بعض الإسلام الذي أعتقده من أجل أن يرضى الآخر. إنني أعتقد أن الوحدة الإسلامية لا بد أن تكون وحدةً واقعية تنطلق من خلال اللقاء على ما يتفق عليه المسلمون، ومن الرد إلى الله والرسول بما يختلف فيه المسلمون، تبعاً للتوجيه القرآني: {فإن تنازعتم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرّسول} [النساء:59].

إنَّ الوحدة الإسلامية لا تعني ـ وقد صرَّحنا بذلك مراراً ـ أن يتنازل الشيعي عن مذهبه ليرضى عنه السني من دون أساس، أو يتنازل السني عن مذهبه ليرضى الشيعي من دون أساس، بل أن نعتصم بحبلِ الله جميعاً في المساحة التي نلتقي عليها في هذا الحبل، وأن نتحاور ونتجادل بالتي هي أحسن، لذلك فإنني لم أتنازل عن أي رأي مما أعتقد أنه الحق، سواء في حواري في المسألة الإسلامية في دائرة السنّة والشيعة، أو في المسألة الإسلامية ـ المسيحية، أو في المسألة الإسلامية ـ العلمانية. لقد كانت مشكلتي أنني كنت أملك وضوح الرؤية ووضوح الكلمة في ما أراه.

لذلك فإنني أتصور أن الذين يتحدثون بهذه الطريقة، لا يملكون مناقشة بعض ما أُطْلِقُ من فكر... ولذلك فإنهم يضعونه في دائرة المجاملة حفاظاً على الوحدة أو ما شابه ذلك. وهكذا فإني أعتقد أن علينا أن نجيب السنّة عن أسئلتهم، وهذه كتبي تتحدث عن إجابتي للسنّة عن كثير من أسئلتهم في الإمامة، وأن أجيب المسيحيين حول الإسلام، وهذه كتبي تتحدث عن عرض وجهة نظر الإسلام أمام المسيحية بكل صراحة ووضوح، وهكذا الأمر بالنسبة للعلمانيين، وهكذا الأمر بالنسبة للقضايا السياسية. أعتقد أني أطلقت كلَّ تصريحاتي بطريقة من وضوح الرؤية والصراحة.

الوعـي والإيمـان

  •  أنا قابلت في حياتي من يقول: إن السيد فضل الله مركز تحول في حياتي، وأعتقد أن الكثير من حملة الوعي كذلك. ما تعليقكم؟ وما رسالتكم إليهم؟

إنني أشعر بالاعتزاز لأنِّني استطعت أن أفتح عقلاً على ما أعتبره الحقيقة، وأن أفتح قلباً على ما أدعو إليه من المحبة، وأن أفتح حياةَ على الخطِّ المستقيم.. إنني أشعر بأن الله في ألطافه منحني أن أعيش مع كل الناس دون أن أجد هناك أيّ حاجزٍ بيني وبين أحد.

كنت ـ ولا أزال ـ أعيش مع الأطفال طفولتهم، ومع الشباب شبابهم، ومع الشيوخ شيخوختهم، كنت أحاول أن أعيش إنسانيتي في إنسانية الآخرين، وحتى الآن، إنني أشعر بأنني كبير جداً عندما أجلس مع الصغار من أجل أن أحدِّثهم بأسلوبهم الطفولي. فأنا أذهب دائماً بين وقت وآخر إلى مبرات الأيتام التي أرعاها لأجلس مع الأيتام وأخطب فيهم خطبة طفولية أحدثهم فيها بالأسلوب الطفولي جداً عمّا آمله فيهم.

إنني أعتزُّ بكل هذا الجيل الذي شاركت في صنع فكره.. وقمة الاعتزاز عندي في هذا الجيل المجاهد الحركي، سواء الجيل الذي انطلق في الحركة الإسلامية في العراق وامتدّ إلى أبعد منها، أو الجيل الذي انطلق في لبنان واستطاع أن يحرر لبنان من الاحتلال. إنني أشعر بأني موجود في كل حركةِ شهيدٍ، وفي كل انطلاقة مجاهدٍ، وفي كل انفتاحة هذا الجيل الذي ينطلق سياسياً وثقافياً..

وأنا أشعر بأنني عندما أفارق الحياة، فسأبقى موجوداً في كل هذه الطلائع ولو بنسبة معينة، ولا أدَّعي أنني أستقطب وجود هؤلاء، ولكن أشعر أنني جزء من حركتهم الجهادية والسياسية والثقافية، وأرجو ألاّ أكون قد أخطأت في فكرة غرستها هنا، وفي شعور انفتحت فيه هناك.

أثَّـروا فـيَّ

  •  ما هي أهمّ شخصية أثّرت فيكم على مستوى التحول؟

إنني لا أتصوّر الآن شخصاً ممن عايشته، كان له هذا الأثر في التحول عندي، ولكني أستطيع أن أؤكد أن رسول الله(ص) كان له أبلغ الأثر في كثير من كل هذه الحياة التي عشتها، والثاني هو الإمام علي(ع) الذي أعيش التصوّف في الانفتاح عليه، بحيث إني لا أملك نفسي عندما أتحدَّث عنه، وأشعر بأني أذوب حباً وإعجاباً وتعظيماً له، لأن علياً(ع) عاش رحابة الحياة كلها، ورحابة الإسلام كله، ورحابة الحقيقة في كل مفرداتها. ومن الطبيعي أن يلتقي الإنسان بالحسين (عليه السلام) والأئمة من ذريّته.