|
على الإنسان ألاّ
يجعل الزمن مجرد لحظات تمرّ،
بل عليه أن يحاول أن يملأ الزمن بكل
معاني إنسانيته، حتى يتحول الزمن
إلى عنصرٍ من العناصر التي تمنحه معنى من حياة. ربما يتصوّر
البعض أن الحياة تتمثل هذه الحياة
الجسدية التي تحرِّك كل أجهزته،
ولكنّي أتصوَّر أن هذا يمثِّل
آلية الحياة وليس الحياة نفسها. إن
إنسانية الإنسان عندما يقول: "أنا"،
أو عندما تقول: "أنت"، ليست هي
هذا الجسد، وإنما الإحساس بكل
عنصر داخلي يتحرك في إطار هذا
الجسد.
لذلك
كنت منذ البداية أشعر بالزمن وهو
يتحرك في وجودي، وكنت لا شعورياً
في البداية أحاول أن أُغني هذه
الحياة التي تضجُّ في هذا الوجود
المادي... كنت أحاول أن أغنيها
بفكرٍ أيّ فكر! ولذلك كانت الحياة
الفكرية عندي تشبه الفوضى، لم
أخطّط لها، ولكني كنت ألتقطها،
وكنت أحاول ـ مهما صدَمَتْني
المحاولة ـ أن يكون ما أتمثّله من
هذا الفكر الذي يغني الحياة
جديداً. لذلك عشت الجِدَّة منذ
بداية عمري، ربما لم أكن أختزنها
في العمق.. ربما كانت تطفو على
السطح... ربما كانت تترك تأثيرها
على كلماتي وأسلوبي، ولكنها كانت
تشعرني بأني أحيا في العصر الذي
أعيش فيه...
إنني
أفهم الحياة بأنّها هذه الحيوية
العقلية والروحيّة والحركية التي
تمثل الوجود الإنساني الذي يبحث
عن فكرٍ ينغرس فيه، وعن مستقبل
يصنعه، وعو روح يسمو معها ويصفو...
عندما
أسترجع الذكريات، فإنني أتصوّر أن
رحلة الوعي كانت مبكرة جداً، ففي
العاشرة من عمري قمت بتجربة شعرية
مبكرة، وإنني أتحسس في هذه
التجربة أن هناك شيئاً من الوعي
للحياة في الانفتاح على المستقبل،
كما تمثّله هذه الأبيات:
فمن
كان في نظمِ القريضِ مفاخراً
ففخريَ طُراً بالعُلا
والفضائِـلِ
ولست
بآبائي الأبـاة مُفاخـراً ولست
بمن يبكي لأجلِ المنازلِ
فإن
أكُ في نيـلِ المعـالي مقصّراً
فلا رجّعت باسمي حُداةُ القوافلِ
سأنهج
نهـج الصالحين وأرتـدي رداء العلا
السامي بشتى الوسائلِ
وأجهد
نفسي أن أعيش مُعـزّزاً وليس
طلاَبُ العزِّ سهلَ التناولِ
إنني
في هذه الأبيات أستذكر أنني كنت
أشعر بالمستقبل يناديني بأن أعيش
الفضائل... بأن أسمو في درجات العلا...
بأن أعيش معزّزاً.. بأن أكمل مسيرة
الصالحين.
لا
أدري كم كان وعيي لهذه المفاهيم،
ولكن مثل هذه المفردات تعني أن
هناك وعياً لمسؤولية الحياة في
حركتي في اتجاه المستقبل.. ومن
الطبيعي أن هذه الحركة تطورت،
بحيث إني اكتشفت إسلاميتي في وقت
مبكر؛ ولذلك لم أشعر بنفسي في أي
مرحلة من مراحل حياتي بما هي
المرحلة الحائرة بين الطفولة
والشباب، لم أشعر أني شيء آخر غير
الإسلام.
لذلك
كنت أتحسس الإسلام في وجداني بحسب
ما كنت أتمثله من ثقافة آنذاك.. كنت
أتحسس الإسلام كشيء يعيش في
وجداني في اللاشعور ويتحرك في
حياتي في مواقع الدراسة. ولهذا فقد
عملت في وقتٍ مبكرٍ، وذلك في سنة 1947م،
وقد كنتُ في الثانية عشرة من عمري..
عملت مع بعض أصدقائي على إصدار
مجلة خطية كنّا نوزّعها على حسب
عدد المشتركين، ونكتبها تحت اسم
"الأدب"، وأذكر أن العدد
الأول كان خاصّاً بالإمام الحسين(ع)،
ما يوحي بأن المسؤولية الثقافية
الإسلامية كانت مبكرة في وجداني.
وهكذا
كنت أتحرّك في المحافل النجفية
لألقي شعراً هنا وشعراً هناك على
حسب التجربة الشعرية.. وربما كان
قمة هذا الإحساس في مسؤولية
الحياة في الحركة، موقفي في بيروت
في سنة 1952م
في أربعين المرحوم السيد محسن
الأمين (ره)، في حفلٍ كان يضم مختلف
العلماء الكبار، كالسيد عبد
الحسين شرف الدين (ره) وأمثاله من
العلماء، ومختلف المفكرين
والصحافيين والزعماء والسياسيين،
حيث ألقيت هناك قصيدة عندما
أقرأها الآن ـ وهي منشورة في أعيان
الشيعة ـ أتحسس أني كنت في تلك
المرحلة أتصور أن علينا أن نبني من
الحضارة الماضية الحضارة
الجديدة، وكنت أتصور أن على
الإنسان أن يتحرر من قيوده، وذلك
في وصفي لشخصية السيد محسن
الأمين، أقول:
تهوى
التحرّرَ نفسُها وتعافُ رائحةَ
القيودِ
تبني
من المجدِ التّليدِ حضارةَ المجد
الجديـدِ
كنت
أتصوّر أن على الإنسان أن يتحرر من
القيود، وأن يحاول أن يبني
الحضارة الجديدة، وفي الوقت نفسه،
كنت أتحدث عن مشكلة الاستعمار ـ
وقد كان انحساره عن لبنان مبكراً
ـ، وكنت أتحدث أيضاً عن الوحدة
الإسلامية، وعن مشاكل الشباب
الاجتماعية في يأسه وضياعه.. إنني
عندما أدرس هذه القصيدة والمرحلة،
أتمثّل أن الحياة كانت تضجُّ في
كياني، وربما أشعر بالغرابة أنّه
كيف لشاب لم يصل إلى السابعة عشرة
من عمره بعد، أن يختزن هذه المشاعر
والأحاسيس المنفتحة على الجديد،
في وقت يعيش في بلدة مغرقة في
القديم، وهي "النجف الأشرف"
في تلك المرحلة، وتلك الفترة.
وأتذكَّر
وأنا في أوّل زيارة للبنان ـ لأني
ولدت في النجف ـ أتذكر أنني كنت
أتحرك في ندوات حوارية مع مختلف
التيارات الحزبية، كالشيوعية
والقوميين العرب والبعثيين، بحيث
كنت أشعر بالمسؤولية بحسب ما كان
لديَّ من حجم ثقافي.
إني
أتصوّر أن حياتي التي عشتها كانت
تنطلق من إحساس بالمسؤولية عن
إغناء تجربتي الحياتية، ومحاولة
إغناء تجربة الآخرين، وكانت مسألة
الصراع الذي ينفتح بالحوار على
الاختلاف الفكري، مسألة أساسية،
ولذلك أستطيع أن أقول إنني بدأت
الحوار مبكراً، وذلك منذ أكثر من
خمسين سنة.
عندما
أرجع بالذاكرة إلى الوراء، أرى
أنّ هذا التوق للالتزام الثقافي
بالإسلام، منطلقاً من الساحة
العراقية آنذاك، والتي كانت
تتحرّك في العهد الملكي السابق،
وتضجُّ بالتيارات الماركسية
والقومية والديمقراطية وما إلى
ذلك.. بحيث كان هذا الانتماء
الساذج للإسلام في نفسي من خلال
البيئة التي عشتها أو المشاعر
التي كانت تتحرك في داخلي... ربما
كنت أشعر بالقلق أو التناقض بين ما
تعيشه البيئة من هذا الجمود
الحركي وبين فهمي، لأنّ المرحلة
التي بدأتها لم تكن مرحلةً تختزن
حركة إسلامية بالمعنى الذي نفهمه
للحركات الإسلامية.
لذلك
كانت المسألة مسألة قلق: كيف نواجه
هؤلاء الذين يلتزمون خطاً غير خط
الإسلام، أو الذين يقفون بشكلٍ
مضادّ في مواجهة الإسلام وما إلى
ذلك، ما جعلني أفكّر ولو بطريقة
ضبابية؟! أنه لا بد أن نعمل شيئاً،
لا بد أن نفكر بطريقة أخرى. ولذلك
كنت من خلال هذه الأفكار التي هي
ضد الاستعمار، أو ضد الطائفية في
الواقع الإسلامي، أو التي تحاول
أن تدرس واقع الشباب ومشاكله. كنت
أبحث عمّا يمكن أن نقدّمه للناس
مما يواجه الطروحات الأخرى. وليست
مسألة البيئة الملتزمة هي ما
يمثّل هذه الحالة الجنينية التي
كانت ترقد في الأعماق، وإن كان
الالتزام يمثِّل المنطلق
باعتباره يُهيِّىء المفردات
الراقدة في الأعماق، لكني أعتقد
أن حركة الصراع هي التي جعلت
الإنسان يعيش هذا القلق المعرفي
والقلق الإسلامي، في عالم يتحرك
فيه الآخرون في اتجاه غير اتجاه
الإسلام.
من
الطبيعي أنك عندما تكون وحدك
وتكون لك تطلّعاتك، فأنت تواجه
مستقبلاً يضج بالتيارات
والصراعات، وتتطلّع إلى حاضرٍ
يحاول أن يجرّك إلى الجمود،
ويجرّك إلى الابتعاد عن حركة
الحياة، أو يجرك إلى الخلف. لذلك
عندما تفقد الآليات المتحركة التي
يمكن أن تجذبك إلى المستقبل، أو
يمكن أن تجذر فكرك في حركتك نحو
المستقبل، فمن الطبيعي أن تعيش
الحيرة، لا حيرة اليأس ولا الحيرة
السلبية، ولكنها الحيرة التي
تمثِّل حالة القلق الذي يبحث
ويبحث ويبحث عن منفَذٍ هنا وعن
أفقٍ هناك. لذلك لم أعش الحيرة
الضائعة، كنت أعيش، ولا أزال أعيش
الحيرة المنفتحة الباحثة التي
تعيش قلقَ المعرفة وقلق الواقع.
كانت
حيرة في نوعيّة الدخول إلى
الحياة، فعندما تفقد الآليات التي
بحجم التحدي، فإن من الطبيعي أن
تعيش الحيرة: ماذا أعمل؟ ماذا
أفعل؟ كيف يمكنني أن أفتح هذه
النافذة؟ كيف يمكنني أن أسُدَّ
هذه الثغرة، كيف يمكنني أن أحقّق
فكري في الواقع؟...
لا
أزال أعيش القلق الذي يدفع إلى
المعرفة. أنا أعتقد أن الذي لا
يعيش القلق لا يمكن أن ينمو. عندما
تعيش قلق الحياة، وقلق المستقبل،
وقلق المسؤولية، وقلق الثقافة،
فإنك تبدأ بالانفتاح والانطلاق
والنمو. أما الإنسان الذي يستريح
ويسترخي، ويشعر أن ليس هناك مشكلة
ولا قضية فمن الطبيعي أنه سوف يزيد
جموده جموداً.
لا
يمكن أن يعلن الإنسان فهم الحياة،
لأنّ الحياة ليست مجرّد لوحةٍ
مكتملة الملامح والجوانب، إنَّ
الحياة تعطي في كلِّ يومٍ من خلال
ما تتمثّل في الإنسان فكراً
جديداً، وإحساساً جديداً،
وشعوراً جديداً، وتطلّعاً جديداً.
لذلك لن يستطيع أحد أن يزعم لنفسه
أنه استطاع أن يكتمل فهمه للحياة.
إنني أستطيع أن أقول إنني اغتنيت
بالحياة في الجانب المعرفي لكثيرٍ
من ركائزها وملامحها وحركيتها
وصراعاتها وأحداثها، ولكن يبقى من
الحياة الكثير لما يتجاوز العمر،
ولما ينفتح على أعمارٍ جديدة وعلى
أجيال جديدة.
|