|
السيِّد محمد حسين فضل الله، هو ابن المقدَّس آية الله السيِّد عبد الرّؤوف فضل الله(قده)، عالم، فقيه، مجتهد، روحانيّ، منفتح.
والدته الحاجة رؤوفة بزّي، ابنة المرحوم الحاج حسن بزّي، الذي يعدّ من الفاعليّات الدّينيّة، المؤمنة، الخيِّرة في بلدة بنت جبيل في جبل عامل-جنوب لبنان.
وُلِد سماحة السيِّد في مدينة النّجف الأشرف بالعراق، أثناء إقامة والده هناك، أي أثناء دراسته في الحوزة العلميّة، وذلك في 19 شعبان من سنة 1354هـ 1936م (وقيل 1935م).
أما العائلة، فهي آل فضل الله، التي تنتسب إلى الإمام الحسن بن علي(ع)، وقد سكنت قرية عيناثا في جبل عامل - قضاء بنت جبيل، ويعتبر السيِّد الثالث في الترتيب العائلي.
الولادة والنّشأة في النجف الأشرف
وعند الحديث عن ظروف ولادته، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّه سبقت ولادته بعض المعاناة في حياة العائلة، إذ أسقطت المرحومة الوالدة مرّتين قبل ولادة الأخت الكبرى المرحومة السيِّدة خديجة، زوجة المقدّس العلامة السيِّد عبد المحسن فضل الله (قده)، والتي توفيت متأثرةً بالإصابة التي لحقت بها جرّاء قصف الجيش الاسرائيلي وعملائه لمنزلهم.
ثم تمّت ولادة الأخت الثّانية المرحومة الحاجة زهرة الّتي استُشهِدت هي وولدها الوحيد بانقلاب حافلةٍ في تركيا في طريق زيارتها للإمام الرّضا(ع).
بعد ولادة البنت الثّانية، رُزِقت العائلة بولد اسمه "عبد الهادي"، وكما يُقال، كان جميل الصّورة، ولديه حركات طفوليّة تثير العاطفة، ما جعلها تتعلَّق به تعلّقاً عاطفيّاً غريباً، ولكن شاءت الأقدار أن يمرض هذا الطّفل ويُفارق الحياة وهو دون سنّ الثّانية، ما ترك جرحاً عميقاً في حنايا والديه، وخصوصاً الوالدة.
في هذا الجوّ، كانت الوالدة تتطلَّع إلى ولدٍ ذكرٍ تكتمل به العائلة، وأنتم تعرفون ما للصّبيّ من مكانةٍ في تكامل العائلة في ذلك العصر. وشاءت الرِّعاية الإلهيَّة أن يتمَّ الحمل، فذهبت المرحومة الوالدة إلى مقام الإمام الحسين(ع)، داعيةً الله تعالى أن تتمَّ مرحلة حملها بسلامٍ، على أن تُطلق عليه أحد الاسمين المباركين الحسين أو محمد حسين.
استجاب الله الدّعاء ببركة الإمام الحسين(ع)، ووُلِد السيِّد محمد حسين في جوّ من الترقّب واللّهفة، ومن الطّبيعيّ أن يُحاط بعنايةٍ فائقة، وكما كان حيويّاً حركيّاً نشطاً في كلِّ حياته، برزت هذه الصِّفات منذ طفولته الأولى، وبفعل جمال صورته، وخفَّة حركته، كان الخوف شديداً عليه، فقُيّدت حركته، ومنع من اللّعب في أزقّة النّجف، واقتصر ميدانه على البيت، في اللّهو مع أخواته.
وحين بلغ حدود الثّامنة من العمر، بدأ يتفلَّت من الضّغط الّذي قيَّد حركته، ليرتاد الحضرة الشّريفة لأمير المؤمنين عليّ(ع) وحده أو مع بعض الأصدقاء الّذين غالباً ما كانوا يكبرونه سنّاً. حتّى إنّه كان يتسلّل في بعض المواسم الدّينيّة إلى جموع الزّائرين ليخدمهم ويقرأ عليهم بعض الأدعية المتداولة.
أمّا والدته، فكانت في كلِّ يومٍ تعيش حالة طوارئ، فإذا ما غاب، فإنَّها كانت تلبس عباءتها لتدور هائمةً بين البيوت والأزقّة والمقامات الشّريفة باحثةً عنه، فما إن تعثر عليه، حتى تتنفّس الصّعداء، لتمارس عليه بعض القسوة من جهة، ولتدخل مع السيِّد الوالد في جدل، والّذي كان منصرفاً بكليّته إلى هموم الدّرس والتّدريس، وكانت في بعض الأحيان تجبره على مرافقة أبيه إلى حلقات درسه الخاصّة، حتى تطمئنّ وتهدأ.
وفي هذه المرحلة العمريَّة، كان من الطَّبيعيّ أن يدخل المدرسة، فبحدود عمر الخمس سنوات تقريباً، أُدخل الكتَّاب الّذي كان يديره شيخ مسنّ، ليتعلّم القراءة والكتابة وتلاوة القرآن، ولقد عبَّر في أكثر من مناسبةٍ عن ذكرياته المؤلمة بفعل الأساليب التّربوية القاسية الّتي كان يمارسها هؤلاء في حقّ الطّفولة البريئة، من كيل الأكفّ على الوجه، وشدّ الآذان، وضرب "الفلَق"، وغيرها من العقوبات التي كانت تُمارس بسبب الأخطاء البسيطة جدّاً أحياناً. ولعلّ أشدّ ما كان يجرح عنفوانه، هو تمييز المعلّم بين الرّفاق، وبالأخصّ بين أبناء الوجهاء والأغنياء، وأبناء المستضعفين والفقراء.
لم يمكث طويلاً في الكتَّاب، إذ انتقل إلى مدرسةٍ دينيّةٍ عصريّةٍ اسمها "منتدى النّشر"، وقُبِلَ في الصّفّ الثّالث الابتدائيّ، ثم تابع دراسة الصّفّ الرّابع، ومنه انخرط في الحوزة العلميّة، وكان في سن التاسعة، وهو ـ كما ذكر ـ لا يعرف مبرّرات ترك المدرسة أو تتريكه لها.
في بعض أحاديثه عن تلك المرحلة، يتحدَّث عن معاناته مع المنهج والكتاب والأسلوب، مما كان لا ينسجم مع قدراته الذّهنيّة، فالموضوعات والمصطلحات والتّعابير الّتي كانت تُعتمد في الدّرس والتّدريس، كانت تتطلَّب مراحل عمريّةً قد تتجاوز سنَّ المرحلة الثانويّة (18سنة)، حتى يستطيع الطّالب أن يفهمها ويستوعبها ويناقش في إشكالاتها.
ومع ذلك، فقد استطاع بجهدٍ أن يتخطّى هذه المرحلة، بفعل ذكائه الحادّ، وتفوّقه ومتابعته وفضوله وأفقه الواسع.
أمام هذا الجوّ الجادّ الّذي كان يرفض اللّهو واللّعب حتّى للصّغار، يتحدّث عن بعض الفترات الّتي كان ينفتح فيها على أجواء الرّاحة والفرح من أجل تجديد النّشاط فقط... يقول: "كنت أذهب أيّام العطلة (الخميس والجمعة) مع العائلة حيناً، ومع بعض الرّفاق حيناً آخر، إلى منطقةٍ خارج مدينة النّجف أو الكوفة، حيث مجرى نهر الفرات، وتميُّز المنطقة بكثافة الأشجار والخضرة الّتي كانت تتحدّى الجوّ الصّحراويّ الجافّ".
هذا الجوّ الجدّيّ المنضبط، عبَّر عنه بأوّل تجربةٍ شعريّةٍ له، حيث يذكر عالم اهتماماته وهمومه:
فمن كان في نظم القريض مفاخراً ففخري طُرَّاً بالعُلا والفضائلِ ولست بآبائي الأباةِ مفاخراً ولستُ بمن يبكي لأجلِ المنازلِ سأنهج نهج الصّالحين وأرتدي رداء العُلا السّامي بشتّى الوسائلِ وأُجهد نفسي أن أعيش معزَّزاً وليس ابتغاءُ العزِّ سهل التّناولِ
عقليَّة الوعي والانفتاح
ثم انطلق سماحة السيِّد وهو في مقتبل صباه، ينوِّع في نشاطاته، فاتَّجه ليمارس هواية الإعلام في عالم الأدب والفكر، فأصدر بالتَّعاون مع ابن خالته الشَّهيد السيِّد مهدي الحكيم، مجلّةً باسم "الأدب"، كانا يحرّرانها خطيّاً، فيكتبان الأعداد بعدد المشتركين، حتّى إذا ما زاد واحد اضطرّا إلى كتابة عددٍ إضافيّ.
وخلافاً للتَّقليد الّذي كان معتمداً في الأوساط العلميَّة، انفتح السيّد على الأجواء الأدبيّة والعلميّة والثّقافيّة المعاصرة، فكان يرتاد المكتبات ليطالع الصّحف المصريّة واللّبنانيّة والعراقيّة، حتّى حصل على مخزونٍ معرفيٍّ استطاع من خلاله أن يواجه متحديّاً كلّ التيّارات الفكريّة والقوميّة واليساريّة والاشتراكيّة في حواراتٍ ماراتونية مع أتباع هذه التيارات.. وبالمناسبة، فإنّ هذا الانفتاح الواسع على العصر بكلّ مجالاته، جعله موضعاً للنّقد، على أساس أنَّ هذه الثّقافة العصريّة تخفّف من هيبة رجل الدّين وروحانيّته، وبذلك شَكوه إلى والده، وشكا هو هذا الأمر إلى عمّه المرحوم المقدس السيِّد محمّد سعيد فضل الله، والّذي كان من أقطاب الحوزة العلميّة في النّجف آنذاك.
العلاقة مع عمِّه
يقول سماحة السيّد متحدثاً عن عمه المقدس السيِّد محمّد سعيد فضل الله:"كنت أجلس وأنا طفل، أتحدَّث معه أحاديث أكبر من سنّي، وكان ينفتح عليَّ في كلّ ذلك الجوّ، وكنت أحسّ منه بأنّه كان يأمل بي خيراً في مستقبل أيّامي، حتّى إنّني في وقتٍ من الأوقات، كنت أنظم الشِّعر وأنا ما زلتُ طالباً صغيراً، وكان النَّاس يعتبرونه أمراً سلبيّاً، لأنَّه يُشغل الطَّالب عن الدّراسة، فذهبت إليه لأعرف نصيحته.. وكان مما قاله لي، بعد أن شجَّعني على الاستمرار: إنّ الاجتهاد يحتاج إلى ذوقٍ صافٍ سليم في فهم اللّغة، وإنّ الأدب يعين على صفاء الفهم الواعي، والذّوق السّليم في هذا الاتجاه.. وإلى هذا الأمر يشير في رثائه له:
ألهمتني وحي الحياة فمن دنياك يملأ روحي الأدبُ
أمّا المخزون العلميّ والأدبيّ والرّوحيّ، فقد بدأ في طفولته انطلاقاً من بيئةٍ النّجف الّتي امتازت بوجود مرقد الإمام عليّ(ع)، ونشاط المراجع العظام، وحركة الأدب في المنتديات... ولكن ما يمكن التوقّف عنده طويلاً، هو صلته الطّويلة بوالده، الّذي عُرف بالاجتهاد والرّوحانيّة والأخلاق السّامية، وهي مفردات انطبعت آثارها واضحةً في شخصيّة السيِّد.
العلاقة مع الوالد المقدّس
في علاقته مع أبيه يقول:"عشت معه في طفولتي كصديق، لم يضربني مرّةً في حياتي، ولم يؤنّبني أيضاً، كان إذا غضب مني، فإنَّ أقسى أساليب العقوبة لديه، أن يتركني لشأني، أي لا يتكلّم معي حتّى أعود معتذراً.
كان يفسح لي المجال في أن أناقشه في كلِّ شيء، وهنا يحقُّ لي أن أقول: إنَّه الشّخص الوحيد الّذي عشتُ كلَّ حرّيّتي في النّقاش معه، حتى في المحرَّمات، كنت أتحدَّث معه في بعض الحالات بطريقة النّكتة، وأقول له: يا سيِّدنا، تعال لنتحدّث في الكُفريّات، كدلالةٍ على الأشياء التي لا يمكن للإنسان أن يناقشها مع النّاس، لأنّهم يعتبرونها من الثّوابت، ومن يتداولها يتَّهمونه بالضّلال والكفر والمروق...
كان يستمع إليَّ في كلِّ ما يدور في ذهني من أفكارٍ وأوهامٍ وخيالات، ويناقشني كما لو كنتُ إنساناً أملك فكراً ناضجاً، لأنَّه كان يعتبر أنَّ الشّكّ هو الخطوة الأولى نحو اليقين. وكانت المناقشات تمتدّ طويلاً بيني وبينه، وبالأخصّ على مائدة الغداء، حتى إنَّ ذلك كان يُثقل على والدتي الّتي كانت تقول بانفعال حنون: اتركه يتناول غداءه".
ثم يتحدَّث عن مسلسل المناقشات الفقهيّة والأصوليّة الّتي كانت تتطلّب جلسات وجلسات، حتّى إنّه كان يناقشه في مسألةٍ علميّةٍ في اللّيلة التي توفّي فيها.
ومن ذكرياتي في إطار هذه الجلسات: في يومٍ من الأيّام، كنت جالساً مع أخي سماحة السيِّد محمد علي في حضرة المرحوم الوالد، في هذه الأثناء، دخل السيِّد رحمه الله، وبدأ النّقاش في مسألة علميّة، حتّى علت الأصوات حين احتدم الحوار... وبعدها خرج السيِّد، وبقينا مع المرحوم الوالد الّذي بادرنا بعفويّته قائلاً: "لا أتوقّع أن يبلغ أحد في لبنان مستواه العلميّ"، وكانت السّاحة اللّبنانيّة آنذاك فيها من العلماء الكبار الّذين يُحترم علمهم وفقاهتهم. |