السيرة النبوية > غزوة الحديبية ...الانقلاب

غزوة الحديبية ...الانقلاب

مكة تفقد تفوَّقها

في مجرى التحوّلات التي حصلت في أعقاب موقعة الأحزاب، دلّت الوقائع والمعطيات أنَّ مكة فقدت تفوقها، بل أصبحت محاصرة ومعرضة للغزو، وإلى ذلك أشار الرسول بقوله: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، وما كشفت عنه بوضوح حالة التداعي هذه، توسعة الرسول (ص) لدائرة استهدافاته في جوار المدينة وأطراف الشام، حيثُ تـمّ الاتصال بالقبائل العربية المتنصرة التي كانت تقبع تحت حكم الروم الخارجين من الانتصار حديثاً على الفرس، وهم منهمكون في إعادة ترتيب أوضاع هذه البلاد وإخضاعها لحكم مباشر.

دلالات وأبعاد: (الطابع السلمي)

من هنا تكتسي غزوة الحديبية التي مهدت لفتح مكة أهميتها، وذلك لما تنطوي عليه من عناصر قوّة ونفوذ، كمعقل للوثنية ومركز للتجارة وسوق للقبائل، وحرص الرسول (ص) من قيامه بهذه الغزوة أن تتسم بالطابع السلمي لأداء مناسك العمرة، ما أحدث إرباكاً بين قادة قريش، لأنَّ الرسول (ص) كان يريد التوصل إلى الاعتراف القريشي بحقّ الاعتمار له ولأصحابه، مؤكداً في الوقت نفسه على قدسية الكعبة التي كانت قريش والقبائل تقدسها، ولكن مع فارق في المضمون بين النظرتين الإسلامية والوثنية.

وقد لخصت الآية الكريمة النظرة الإسلامية، حيثُ جاء في قوله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذّن في النّاس بالحـج يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فج عميق} (الحج: 26ـ 27).

لقد انطوى قرار النبيّ (ص) في التوجه سلمياً إلى مكة على درجة عالية من البراعة والحكمة في آن، وذلك ليكشف التناقض في موقف مكة أمام العرب، وإحراج موقفها من خلال أدائه للعمرة كأي عربي آخر، ولكي يعطي للإحراج أثره الاستقطابي على المستوى السياسي، دعا القبائل العربية للخروج معه، ولكنَّها أبطأت عنه ولـم يخرج منها إلاَّ القليل، ما يشير إلى استمرار المخاوف عند هذه القبائل من تعرّض مصالحها للخطر، خاصة بعد أن عرفوا أنَّ أهل مكة سوف يقاتلون النبيّ محمَّد (ص) وسوف يمنعونه من الوصول إليها، مع ما تجره المواجهة في حال حصلت من عواقب وخيمة على مصالحها.

وفي حال نجاح الرسول (ص) في بلوغ مقصده، فالاعتذار هو السبيل إلى نيل رضاه، ولكنَّ اللّه سبحانه وتعالى كشف حقيقة مواقفهم، حيثُ جاء في الآية الكريمة: {سيقول لك المخلَّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من اللّه شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان اللّه بما تعملون خبيراً* بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظنّ السوء وكنتم قوماً بوراً} (الفتح:11ـ 12).

وما تكشف عنه هذه الغزوة، هو سيطرة المناخ السلمي الذي كان ينشره الرسول (ص) في مجمل العلاقات بين القبائل والمسلمين، ما يعزّز من فرص قيام روابط بينه وبينهم لنشر الدعوة وتقبلها من الآخر.

وخرج رسول اللّه (ص) إلى مكة في أوائل سنة ست للهجرة، معتمراً لا يريد حرباً، ولما وصل إلى عسفان علم بخروج قريش لمنعه من الوصول إلى مكة، قال: "ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لـم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة".

كان العدد الذي شارك في الغزوة بين ألف وأربعمائة وألف وستمائة، شكلت فيه "أسلم" ثُمن المهاجرين، وحاولت قريش استخدام الوسائل كافة لاستدراجه وإيقاعه في فخ التصادم معها، ولكنَّه (ص)، وبالرغم من كلّ المحاولات الاستفزازية، بقي متمسكاً بخياره السلمي، للحفاظ على المسلمين داخل مكة، وللأسباب التي أوردناها سابقاً، حيثُ جاء في قوله تعالى: {ولولا رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمنات لـم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} (الفتح:25).

نصوص الهدنة

وبعد مخاض طويل تخللته التهديدات والتهديدات المضادة والمبايعة على القتال، وغير ذلك من أساليب المناورة، توصل الفريقان إلى توقيع هدنة لمدة عشر سنوات كانت بمبادرة من الرسول (ص): "إنّا لـم نأتِ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنَّ قريشاً قد أنهكتهم الحرب وأخذت بهم، فإن شاءوا حاورناهم مدّة".

وقد نصت هدنة الحديبية على وضع الحرب عن النّاس عشر سنين يأمن فيها النّاس ويكفّ بعضهم عن بعض، وأنَّه من أتى عمداً من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمَّد لـم تردّه عليه، وأنَّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأنَّ الرسول (ص) يرجع عن مكة ذلك العام، وإذا كان العام التالي يخرج المكيون عن بلدهم ويدخلها محمَّد وأصحابه فيقيم فيها ثلاثة أيام.

وهناك شرط آخر ينصُّ على إجابة قريش إلى ما اشترطه الرسول (ص) من إظهار الإسلام، وأن لا يكره أحد على دينه، وعلى أن يعبد اللّه علانية في مكة. وقد توقف المفاوض القريشي (سهيل) عند هذا البند، ما أوجب رجوعه إلى قريش وأخذ موافقتها، ولهذا البند أهمية سياسية ـ عقائدية، سمح بمباشرة الدعوة في مكة علانية، بعد أن حصل على الاعتراف بالإسلام من قريش.

ونفذت بنود الاتفاقية، وأعلنت خزاعة دخولها في عقد المسلمين، وأعلنت بنو بكر دخولها في عقد قريش، ومضت شروط الهدنة.

أجواء استنكار

اعترض بعض المسلمين على صياغة نص الاتفاق، وساد جوٌّ من الاستنكار والتساؤل عن صدقية الرسول (ص) في حديثه معهم، ووعده لهم بالدخول إلى المسجد الحرام، وها هم قد ارتدّوا عنه، ولكنَّ الرسول (ص) يبين أنَّهم عائدون إلى دخوله كما وعدوا، فهو لـم يذكر لهم أنَّهم سيطوفون هذا العام.

وبالرغم من ذلك، فقد اعتبر هؤلاء أنَّ الرسول (ص) قد قدّم التنازلات للمشركين، خاصة في البند الثاني، ما يدل على قصور في فهم الدواعي والمسوِّغات السياسية والعقائدية عند هؤلاء، ولكنَّه (ص) أوضح لهم ما يرمي إليه هذا البند، بأنَّ من ذهب إليهم فاراً فلا ردّه اللّه وقد وقى المسلمون خبثه، أمّا المستضعفون من المسلمين فستعيى قريش بأمرهم، كما عجزت عن سابقيهم، وستكون العقبى لهم.

عقبات أمام التنفيذ

ولكن الهدنة قبل أن تخرج إلى النور اصطدمت بعقبة عدم جواز ارتحال المنتمين من مكة ومهاجرتهم إلى المدينة، حيثُ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو المفاوض القرشي يريد الهجرة إلى المدينة فطلب سهيل من النبيّ (ص) ردّه فردّه، الأمر الذي أزعج المسلمين، ولكنَّ الرسول (ص) إيماناً منه للوفاء بالعهد والاتفاق، طلب من أبي جندل أن يصبر ويحتسب، وقال له: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه وإنّا لا نغدر بهم".

كما تعرضت الهدنة أيضاً لاختبار قاسٍ من جانب أبو بصير عبيد اللّه بن أسيد، الذي كان قد قتل الرجلين اللذين أوكلا بمهمة اصطحابه إلى مكة خارج المدينة دون إذن الرسول (ص)، وكان قد حبس بمكة مع آخرين، وخرج إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، ولكنَّ بنود هدنة الحديبية حالت دون إمكان استقباله فيها، حيثُ أرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها يرجعان به إليها، ولكنّ الرسول (ص) أراد الالتزام بالهدنة وحاول إعادته، قائلاً له: "يا أبا بصير، إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علّمك، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، وإنَّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك"، وحزن أبو بصير عندما سمع كلام رسول اللّه (ص)، وقال له: "يا رسول اللّه، أتردّني إلى المشركين ليفتنوني في ديني"؟ ولـم يردّ النبيّ (ص) عن تكرار رجاء أبا بصير في الفرج القريب، ثُمَّ أرسل أبا بصير مع القرشيين ليعودوا جميعاً إلى مكة.

ولكن أبا بصير رفض أن يعود إلى مكة، فاحتال في أثناء الطريق وامتشق سيف أحد الحارسين وقتله، ففرَّ الآخر مذعوراً، وقفل راجعاً إلى المدينة يخبر رسول اللّه (ص) بما وقع لصاحبه، وإذا أبو بصير متوشحاً للسيف يقول:" يا رسول اللّه وفت ذمتك، وأدّى اللّه عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي".

فقال رسول اللّه (ص): "يا ويل أمّه، مسعر حرب لو كان معه رجال"، وأدرك أبو بصير أن لا مقام له في المدينة، ولا مأمن له في مكة، فانطلق إلى ساحل البحر من ناحية تدعى العيص، وشرع يهدّد قوافل قريش المارة بطريق الساحل، وسمع المسلمون بمكة عن مقامه، وعن كلمة الرسول (ص) فيه: "مسعر حرب لو كان معه رجال"، فتلاحقوا بأبي بصير يشدّون أزره، حتّى اجتمع إليه قريب من سبعين ثائراً فيهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وأخذوا يضيقون على قريش لا يظفرون بأحد منهم إلاَّ قتلوه، ولا تمرّ عليهم عير إلاَّ اقتطعوها، حتّى كتبت قريش إلى رسول اللّه (ص) تناشده الرحم أن يأوي إليه هؤلاء.

وبهذا الطلب تكون قريش قد تنازلت عن حقّها في استرداد الفارين من مكة إلى المدينة، ولـم يعد أبو بصير إلى رسول اللّه (ص) لأنَّه كان يحتضر، وكان رجاله قد صادروا قافلة فيها أبو العاص بن الربيع صهر النبيّ (ص) ـ الذي لـم يكن قد دخل الإسلام بعد ـ فأسروا من فيها ما عدا أبا العاص لمكانته، فذهب أبو العاص إلى امرأته زينب وشكا لها ما وقع لأصحابه وما ضاع لهم من أموال، وحدّثت زينب رسول اللّه (ص) في ذلك، فقام رسول اللّه (ص) فخطب النّاس قائلاً: "إنّا حاصرنا أناساً وصاهرنا أبا العاص فنعم الصهر وجدناه، وإنَّه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم، وأنَّ زينب بنت رسول اللّه سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم تجيرون أبا العاص وأصحابه"؟ فوافقه المسلمون إلى الإجابة، ولما بلغ هذا الحوار أبا جندل وجماعته أفرجوا عن الأسرى، وردّوا عليهم كلّ شيء أخذ منهم حتّى العقل.

أمّا أبو العاص بن الربيع فارتحل ببضائع قريش حتّى قدم مكة، فأدّى إلى النّاس أموالهم، حتّى إذا فرغ قال: "يا معشر قريش، هل بقي لأحد عندي منكم مال لـم أردّه عليه"؟ قالوا: "لا، فجزاك اللّه خيراً، وقد وجدناك وفياً كريماً"، قال: "واللّه ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلاَّ أن تظنوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم، فإنّي أشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله".

وعاد إلى المدينة، فردّ عليه الرسول (ص) امرأته زينب، وكان اختلاف الدين فرَّق بينهما.

وهذا إن دلّ على شيء، فإنَّه يدل على حالة الضعف في نفوذ القرشيين على طول الساحل، وفي أضعف الإيمان في المنطقة التي تجمَّع فيها المسلمون الفارون من إرهاب قريش، كما يدل على عمق الرغبة التي كانت قريش تميل إليها في المحافظة على الهدنة.

واصطدمت الهدنة أيضاً بعقبة أخرى تمثّلت برغبة المؤمنات بالهجرة من مكة، حيثُ وقف النبيّ (ص) موقفاً حاسماً من قضيتهن، ويروى في ذلك أنَّ امرأةً مسلمة هي أم كلثوم بنت عقبة خرجت من بيتها مهاجرة إلى رسول اللّه (ص)، فخرج أخواها يسألان محمَّداً (ص) أن يردّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، ولكنَّه لـم يستجب لمطلبهما، وفي هذه الحادثة نزلت الآية الكريمة في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن اللّه أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفّار لا هِنَّ حلٌّ لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنة:10).

وضوح الرؤية... المكاسب

هذه الحوادث كشفت بوضوح عن خلفيات موقف الرسول (ص) وعن صحة رؤيته، حيث اعتبر هذا الصلح فتحاً، وهذا ما أشار إليه عدد كبير من المؤرخين، حيث قال الزهري: "وما فتح في الإسلام قبله كان أعظم منه، إنَّما كان القتال حيث التقى النّاس، فلمّا كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وآمن النّاس بعضهم بعضاً والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، لـم يكلّم أحداً بالإسلام يعقل شيئاً إلاَّ دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين ـ بعد الحديبية ـ مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر".

ويستدل ابن هشام على صدق قول الزهري، ما جاء في حديثه عن المقارنة بين العدد الذي خرج به الرسول (ص) إلى الحديبية، وكان ألفاً وأربعمائة، والعدد الذي خرج به في عام الفتح بعد ذلك بسنتين وهو عشرة آلاف.

ومن جانب آخر، توضَّحت الأبعاد والمكاسب التي حقّقها المسلمون بعد الهدنة مباشرة، حيث تمكن الرسول (ص) من حسم الصراع مع اليهود في شبه الجزيرة العربية (خيبر والمعاقل اليهودية في الحجاز)، ولـم يكن هذا ليتحقّق لولا الانصراف المؤقت عن الصراع مع قريش. يضاف إلى ذلك، أنَّ الرسول (ص) كان قد أدّى العمرة بعد مرور عام من توقيع الهدنة، وكان ذلك في رجب من سنة سبع، ناهيك عن التأثيرات التي تركتها على حركة القبائل العربية التي أخذت تعيد النظر في مواقفها، ما جعل الموازين تختل لصالح المدينة، والتي تجاوزت حدود الحجاز والمحيط لتفتح بذلك صفحة جديدة من الصراع تحرّك فيه الرسول (ص) باتجاه الشام (رسائل النبيّ إلى هرقل وعظيم بصرة ورؤساء القبائل العربية).