السيرة النبوية >  النبيّ محمَّد (ص) في الصحيفة السجادية

النبيّ محمَّد (ص) في الصحيفة السجادية

الصلاة والتسليم على النبيّ (ص) منهج تربوي:

في خطّ التربية الإسلامية الروحية حديثٌ دائم عن النبيّ محمَّد (ص) ودعوة إلى الصلاة عليه في كلّ مناسبة، وهذا ما أكّده القرآن في قوله سبحانه: {إنَّ اللّه وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيُّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً} (الأحزاب:56).

وفي هذا إيحاء بأنَّ مسألة الصلاة والتسليم عليه ليست مجرّد حالة انفعالية تعبيرية عن مشاعر الحبّ تجاهه من ناحية ذاتية، بل هي نهجٌ إسلاميّ تربوي منطلقاً من العنوان التكريمي الذي أراده اللّه له من خلال صلاته وصلاة ملائكته عليه، ليكون ذلك حديث المؤمنين باللّه وبرسوله والانفتاح الدائم عليه تماماً كما هو ذكر اللّه والانفتاح على اسمه.

وقد جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام): »إذا كانت لك إلى اللّه حاجةٌ فابدأ بمسألة الصلاة على النبيّ ثمَّ اسأل حاجتك فإنَّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين يقضي إحداهما ويمنع الأخرى«.

وهذا هو الذي جعل الكثير من الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت (ع) منفتحةً على الصلاة على محمَّد في أكثر من مورد في بدايتها ونهايتها.

وقد أدّى ذلك إلى تحويل القضية إلى تقليدٍ إسلامي في السلوك الديني للإنسان المسلم كتعبير حيّ عن العلاقة الوثيقة التي تربط المسلمين برسول اللّه، بل ارتفعت ـ في الأهمية ـ إلى أعلى من ذلك، فكانت جزءاً من التشهد في الصلاة لتكون صلاة المسلم على النبيّ محمَّد (ص) متحرّكة في أجواء صلاته بين يدي اللّه، ما يوحي بأنَّ التشريع الإسلامي العبادي يؤكّد على قيمتها في معنى العبادة من خلال ارتباط مسألة الرسول في وعي الإنسان المؤمن بمسألة الإيمان باللّه، ما يجعل من الالتزام به في صفته الرسالية التزاماً بالانفتاح على رسالة اللّه في خطّ الإيمان به والطاعة له، وهذا ما جعل الحديث عنه مقروناً دائماً بصفة الرسالة لا من خلال صفة الذات، لئلا يكون الارتباط بذاته فينسى النّاس رسالته التي تتجسّد فيه، كما تفعل الشعوب البدائية المتخلّفة المنفعلة بمقدّساتها ورموزها وأبطالها انفعال الذات، بحيث تتحوّل المشاعر الملتهبة بالحبّ الروحي الذاتي إلى لونٍ من ألوان العبادة اللاشعورية للشخصية المقدسة والرمز الكبير والبطل العظيم، ما يجعل المؤمنين مستغرقين بالذات بعيداً عن الاستغراق بالدور والخطّ والموقع القيادي، لتكون المسألة مسألة تعصّب لا مسألة التزام، أو قضية انغلاق على الشخص لا قضية انفتاح على الرسالة، وهذا ما يجعل التجمعات الدينية خاضعة في مشاعرها للرمز التاريخي الرسالي أكثر ممّا هي خاضعة للخطّ الفكري أو الشرعي.

ولعلّ التأكيد في الحديث عن رسول اللّه بأنَّه عبدُ اللّه ورسوله، ما هو إلاَّ محاولة للابتعاد بالجانب الشعوري الذي يستغرق في الذات، بحيث تتحوّل معه القضية إلى ما يشبه عبادة الشخصية، فالانفتاح على عبوديته بالإضافة إلى صفة أنَّه رسول اللّه يثير في نفس المؤمن الشعور بأنَّ النبوَّة ليست معنىً يبتعد عن البشرية التي تختزن معنى العبودية للّه في ذاتها أو يقترب من درجة الألوهية، بل هي معنى في الخضوع للّه والالتزام بأوامره ونواهيه، والانطلاق في المهمات الموكولة إليه في حركة الرسالة في الدعوة والجهاد في خطّ رضاه، ما يجعل طاعته طاعةً للّه فيما يحمله من رسالة اللّه.

صفاته الإنسانية وأخلاقه الرسالية:

وهذا ما نستوحيه من هذا الدعاء الذي كان يدعو به الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) عندما يذكر رسول اللّه (ص) وهو بين يدي اللّه، فلا نجد فيه استغراقاً في الأسرار الغيبية الكامنة في شخصية الرسول التي يتحدّث عنها الكثيرون بطريقة ضبابيّة عرفانية لا يملك الإنسان معها أن يتحسس مفردات معانيها في نفسه ووعيه، بل يعيش الحالة الشعورية المبهمة التي تثير فيه بعض الأجواء الروحية الغامضة، ولذا نلاحظ أنَّ التربية القرآنية لـم تنطلق في هذا الاتجاه، فلم يتحدّث القرآن عن محمَّد رسول اللّه كشخصية غيبية غامضة مليئة بالخفايا والأسرار المقدسة، بل تحدّث عنه من خلال صفاته الإنسانية المتحرّكة في حياة النّاس في أخلاقه الرسالية المتصلة بموقعه في الرسالة والقيادة وفي علاقته بالمؤمنين، وأثار في حديثه إليه وخطابه معه الكثير من القضايا المرتبطة بالأحداث والمواقف والإشكالات المتنوعة بالطريقة التي تنفتح على الجانب العملي في شخصية الرسول وحركة الرسالة بعيداً عن الهالة القدسية التي تحيط به في أسلوب الخطاب القرآني للرسول.

وقد نستوحي من ذلك أنَّ التوجيه القرآني لا يريد للنّاس أن يستغرقوا في المنطقة الخفية التي تُختزن مشاعرها في شخصيات الأنبياء، لأنَّ ذلك قد يؤدي إلى الابتعاد عن عبادة اللّه من خلال تعاليم الرسول للدخول في عبادة لا شعورية لذاته من خلال أسراره القدسية، وهذا ما نلاحظه في الآيات التالية:

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (النور:128).

{محمَّدٌ رسول اللّه والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركَّعاً سجَّداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود} (الفتح:29).

{الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف:157).

{وإنَّك لعلى خلق عظيم} (القلم:4).

{فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159).

{وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} (الفرقان:32).

{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثمَّ لا تجد لك علينا نصيراً} (الإسراء:73ـ75).

{ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملـك} (الزمر:65).

{ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثُمَّ لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين} (الحاقّة:44ـ47).

وهكذا نجد في كلّ هذه الآيات حديثاً عن صفاته الرسالية وأخلاقه الإنسانية ونشاطه العملي، كما نجد هناك أسلوباً معيناً في تصوير الرعاية الإلهية التي تحيط بالرسول فتنقذه من تأثيرات الضعف الإنساني، والإيحاء بأنَّه لو استسلم لأيّة نقطةٍ من نقاط هذا الضعف لتعرّض للنتائج السلبية التي يمكن أن يتعرّض لها النّاس الآخرون الذين لا يملكون هذا الموقع (الوحي) إذا استسلموا لنقاط ضعفهم التي تؤدي بهم إلى الانحراف عن الخطّ، مع الإيحاء المتنوع بأنَّه لن يقع في مثل هذه التجربة التي تبعده عن اللّه.

إنَّ ذلك لا يعني أنَّ الأنبياء لا يختزنون في داخلهم أسراراً خفيّة ترتفع بهم إلى المستوى الروحي الرفيع الذي يجعلهم قريبين إلى عالـم الملكوت، أو أنَّهم لا يملكون بعض أجواء الغيب الروحيّة التي قد تتيح لهم بعض القدرات التي يأذن اللّه لهم بها في مواقع الإعجاز، أو في آفاق السموّ الروحي القريب إلى اللّه، بل كلّ ما يعنيه ذلك هو أنَّ اللّه لا يريد للنّاس أن يشغلوا أنفسهم بالتفكير بذلك، لأنَّ ذلك ليس داخلاً في مهمتهم فيما يريدهم اللّه أن يتحدّثوا به إلى النّاس، وليس موقعاً من مواقع تكليف النّاس به ليلتزموه كأيّ واجب من واجباتهم.

حتّى المعجزة أرادها اللّه أن تعيش في وعي النّاس المؤمنين كمسألةٍ من مسائل قدرة اللّه التي أجراها على يد بعض رسله ليواجهوا التحدي الكبير من قبل الطغاة المستكبرين، وليقوي به إيمان المؤمنين، ولا يريد لهم أن يروا فيها قدرة خارقة للنبيّ كأيّة خصوصية من خصائص الذات، كما جاء في قوله تعالى:

{وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنَّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} (طه:69).

{ورسولاً إلى بني إسرائيل أنّي قد جئتكم بآية من ربِّكم أنّي أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيـراً بإذن اللّه وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموت بإذن اللّه} (آل عمران:49).

إنَّ للأنبياء، ولا سيّما النبيّ محمَّد (ص)، مكانتهم الرفيعة عند اللّه، ولكنَّ اللّه أرادنا أن نعيش معهم في آفاق رسالتهم من خلال كلماتهم وأفعالهم ليكونوا القدوة في ذلك كلّه، وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة:

{لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً} (الأحزاب:21).

الأنبياء تجسيد عملي للإرادة الإلهية:

إنَّهم يمثّلون التجسيد العملي الحركي للإرادة الإلهية التي توحي للإنسان بالسير على الخطّ المستقيم الذي ينطلق فيه الأنبياء ليدّلوا النّاس عليه من خلال وحيّ اللّه في الأمور كلّها، ليتمثّلوا حياتهم كلّها في أقوال الأنبياء وأفعالهم وعلاقاتهم، وليشعروا بأنَّهم يتحرّكون معهم في حياتهم الخاصة والعامة من خلال استعادة أسمائهم التي توحي لهم بالحضور الدائم الذي يجدد حركتهم في مدى الزمن مع كلّ جيل، فلا يكونون مجرَّد أشخاص تاريخيين يعيشون مع الماضي، ولا يتذكرهم الحاضر والمستقبل إلاَّ لماماً، بل يكونون قادة الحياة في كلّ زمان ومكان، لأنَّهم يحملون رسالة اللّه التي هي قضية الحياة المتحرّكة مع كلّ خطوات التاريخ التي صنعوها بجهدهم أو التاريخ الذي يصنعه الآخرون المؤمنون برسالتهم من خلالهم فيما يلتزمون به من خطِّ الرسالة وحركة الإيمان.

وهذا هو ما أرادنا الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) أن نحياه فيما كان يتمثّله من أفكارٍ وإيحاءات من حياة النبيّ محمَّد (ص) عندما كان يتذكره ليعرفنا كيف يكون التذكر للنبيّ في رحاب الواقع لا في رحاب الغيب:

»الحمد للّه الذي منَّ علينا بمحمَّد (ص) نبيّه دون الأمم الماضية والقرون السَّالفة«.

إنَّنا الأمّة التي اختصَّها اللّه بمحمَّدٍ رسول اللّه، ليكون النبيّ الذي يصنع لها ولادتها ويرعى مسيرتها ويصوغ لها شخصيتها، ويحرّك فيها طموحاتها نحو السموّ والتقدّم والإبداع، ويفجّر طاقاتها من أجل أن تفجّر ينابيع الحياة خيراً وبركة وحقّاً وإيماناً باللّه، ويوحي لها بالانفتاح على آفاق الروح في آفاق اللّه لتنطلق روحانيتها من مواقع الشروق، ويقودها إلى مستقبل القوّة الذي يحشد في كلّ جيلٍ بعض عناصرها التي تنفتح على كلّ مواقع التحدّي في ساحة الصراع.. إنَّه النبيّ الذي نعيش سرّ الوحي في ملامح وجهه وفي إشراقة عينيه وفي ابتسامة شفتيه وفي حنان نظراته وفي إنسانية لمساته وفي رقة مجلسه وفي سموّ روحه وفي ثبات خطواته وفي هدوء حركاته وفي ابتهالاته للّه وفي محبته له وخوفه منه وإخلاصه له.. تماماً كما تعيش سرّ الوحي في آيات اللّه التي يبلّغنا إياها وفي كلماته التي يستوحيها من كتاب اللّه، لأنَّه ليس مجرّد حاملِ رسالةٍ يؤديها، بل هو التجسيد الحيّ للرسالة التي تتحرّك معانيها في كلّ عمق شخصيته وتمتد في حياة النّاس، ولذلك كان رحمةً للعالمين، وكان قوّةً للمستضعفين، وكان هادياً للضالّين وقدوةً للمؤمنين.

وفي ضوء ذلك كلّه، فإنَّنا نلتفت إليه في كلّ خصائصه التي لـم تجتمع لنبيّ قبله، فنتحسس موقع النعمة العظيمة فيما منّ اللّه علينا به، فكان نبيّنا الذي ابتدأ التاريخ منذ انطلق في رسالته معنا، فجعلنا أمّةً واحدة لا تفصل بين أفرادها اللغات ولا الحدود ولا فواصل الزمان، من خلال كلمة التوحيد التي كانت خطاً للإيمان وخطاً للحياة، فعشنا معه في إحساسٍ عميق بالنعمة، وانفتاحٍ كبير على الخير، وتطلّعٍ واسع إلى هذه المنّة الإلهية التي منّ اللّه بها علينا بمحمَّد دون الأمم الماضية والقرون السالفة. حتى كنّا خير أمّة أخرجت للنّاس من خلال خطّه الممتدّ في آفاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فله الحمد على ذلك كلّه كأفضل ما يكون الحمد وكأعمق ما يمثّله الاعتراف بالنعمة الكبيرة.

«بقدرته التي لا تعجز عن شيءٍ وإن عظُم، ولا يفوتها شيء وإن لطف».

إنَّها القدرة الإلهية الشاملة الواسعة التي تتصرّف في الأشياء من خلال الإرادة الحكيمة التي تقول للشيء كن فيكون، فليس هناك أمامها أيّ حاجز من حواجز الوجود المتناثرة في الكون التي يقف أمامها الأقوياء عاجزين، لأنَّها هي التي تعطي للأشياء قوّتها، وللأقوياء قدراتهم، وتضع في مفردات الوجود عناصر السهولة والصعوبة والاستحالة والإمكان، من خلال ما أودعته فيه من سنن وقوانين تتصل بخصائص الأمور فيما يُراد لها من الاتصال والانفصال، أو التكامل أو التنافر، ما يجعل من مسألة الاستحالة والإمكان معنى يكمن في الموجودات التي خلقها اللّه، فجعل بعضها يتسع لشيء وبعضها يضيق عنه. وبتعبير آخر، هو القادر الذي أعطى الوجود لكلّ شيء، ومنه يستمد الوجود معناه وذاتياته من خلال حكمته. ولذلك فلا يعجزه الشيء مهما كان عظيماً، ولا يفوته الشيء وإن كان لطيفاً، أي صغيراً ودقيقاً، لأنَّه الخالق لذلك كلّه.

وهكذا كان خلق محمَّد في هذه المرحلة الزمنية مظهراً لقدرة اللّه في تحريك الوجود ليحتضن وجود محمَّد (ص) من خلال طبيعة التسلسل الوجودي الذي ينفتح على الحكمة في ختام الرسالات به وختام الأمم بأمّته.

«فختم بنا على جميع من ذرأ، وجعلنا شهداء على من جحد، وكثّرنا بمنِّه على من قلَّ».

وهذه هي العناوين التي أراد اللّه لهذه الأمّة أن تكون علاماتٍ على رعايته، وإشارات إلى رحمته، وفرصة جديدة للارتفاع إلى مستوى المسؤولية في مواقع رضاه في الانفتاح على كلّ آفاق رسالته.

فقد كانت رسالة النبيّ محمَّد (ص) خاتمة الرسالات، وبهذا فقد كانت أمته آخر الأمم التي تعطي الرسالات لكلّ واحدة منها شخصية تجمع في داخلها كلّ الأجيال المتعاقبة في مدى الزمن، لتكون شخصية الأمّة منطلقةً في وحدتها من وحدة الرسول الذي يحدّد لها خطّ السير ومسألة الانتماء من خلال وحي اللّه.

وهذه ميزةٌ للأمّة ورسولها في رسالته فيما أراده اللّه لها أن تكون نهاية المطاف للوحي الإلهي لتجمع كلّ عناصر السعادة للإنسان في الحياة في حركة التكامل الإنساني على المستويات العقلية والعلمية والأخلاقية والروحية والتشريعية، حيث تكون آخر فرصة للحياة، هي أعلى درجة في الكمال الإنساني المنفتح على اللّه، ولـم يحصل لأمّة من الأمم ما حصل لهذه الأمّة في مواقع السموّ الرسالي الذي يدفع بالأمّة إلى مستوى السموّ الإنساني.

الأمّة الوسط والشهادة على النّاس:

أمّا الدور الثاني الذي جعله اللّه لهذه الأمّة فيما امتنَّ به عليها من مننه ونعمه، أن جعلها الأمّة الشاهدة على النّاس كما جعل اللّه الرسول شهيداً عليهم، وذلك فيما تحدّثت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (البقرة:143)، ولعلّ المراد بالأمّة الأمّة الملتزمة بخطّ الإيمان وبمسؤوليته العملية في الدعوة والحركة والعمل من خلال الجوّ العام الذي يعطي لكلّ هذه الجماعات البشرية المتنوعة طابعها وعنوانها الواحد، وليس المراد بها كلّ فرد في صناعته الذاتية.. وهذا هو الذي توحي به كلمة الوسط في الآية، في ما يمثّله من الخطوط المتوازنة التي تعتبر المقياس لكلّ الخطوط المنحرفة من حولها في النطاق الفكري والعملي.. فهي الأمّة الوسط من خلال الإسلام الذي هو نقطة التوازن وخطّ الاستقامة في مفاهيمه وتشريعاته.. وبذلك كانت الأمّة الملتزمة به، الداعية إليه، الحاملة لكلّ مسؤولياته هي التي تقف غداً بين يدي اللّه لتواجه كلّ الجاحدين بالإسلام الذي عاشوا في الامتداد الزمني للأمّة، لتقيم الحجة عليهم بالشهادة القاطعة بأنَّ الدعوة قد وصلت إليهم بكلّ وسائلها وأساليبها التي تؤدي إلى القناعة وتقود إلى الإيمان، ولكنَّهم واجهوا المسألة باللامبالاة أو بالعناد، أو بالتمرّد والجحود من دون أن يقدّموا أيّة حجّة في ما ينتمون إليه أو في ما يتحرّكون به.

وربَّما كان من خصائص هذه الأمّة التي جعلتها أهلاً للشهادة على النّاس هو أنَّ الإسلام الذي يمثّل عنوان شخصيتها وحركيتها يرتكز على الإيمان باللّه وبكلّ كتبه ورسله ورسالاته، من دون فرقٍ بين كتاب وكتاب ورسول ورسول، الأمر الذي جعلهم منفتحين على النّاس كلّهم من خلال انفتاحهم على الرسالات كلّها، لأنَّهم يؤمنون بالكتاب كلّه، فلا عقدة لهم من أيّ خطّ، فتتساوى لديهم المواقع، وتتّسع لديهم النظرة ليواجهوا الجحود كلّه من موقع الإيمان كلّه.

وفي ضوء ذلك، نستوحي مسألة التكامل في المسؤولية من خلال هذا التداخل والتواصل في الشهادة بين الرسول وأمّته، فهو الشاهد على أمّته لأنَّه بلّغها الرسالة، وخطّ لها الطريق، وحدّد لها الوسائل، وأطلق لها حرية الحركة في نطاق الخطّ العام، ودعاها إلى أن تتحمّل المسؤولية في امتداد الرسالة، فلم يهملها في تحديد خطّ السير، ولا في الخطوط العامة للحركة والقيادة، وهي الشاهدة على النّاس الآخرين الذين لـم يلتزموا الإيمان من خلال نشاطها الرسالي العام في حياتهم.

وهذا هو الطابع المميَّز للإسلام في التفاعل الحركي بين دور الرسول في حياة الأمّة ودور الأمّة الملتزمة به في حياة النّاس الجاحدين، وبذلك تحمل الأمّة معنى الرسولية من خلال الدور في الوقت الذي يحمل الرسول هذه الصفة من خلال الوحي الإلهي في مسؤولية الدور الرسالي الشامل.

النصر بالرغم من القلّة:

وهناك النعمة الثالثة وهي أنَّ اللّه أراد لهذه الأمّة أن تأخذ بحجم القوّة فيما توحي به الكثرة من عنصر القوّة، باعتبار امتدادها في مدى الحياة حتّى النهاية، أو باعتبار شمولها لكلّ الإنس والجنّ والعرب والعجم، وربَّما كانت كنايةً عن العزّة التي توحي بها الكثرة التي تحمي أفرادها في مقابل الذلة المتمثّلة بالقلّة غالباً، باعتبار أنَّها لا تستطيع حماية نفسها.. وهذا ما جاء به التعبير القرآني في حديثه عن المسلمين في بدر عندما كانوا قليلين أمام كثرة قريش.

قال تعالى: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّة} (آل عمران:123). والظاهر أنَّ المراد، وأنتم قليلون.

وربَّما كانت فقرة الدعاء هذه تحمل إيحاءاتِ الآية الكريمة في قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعَفون في الأرض تخافون أن يتخطَّفكم النّاس فآواكم وأيّدكم بنصره} (الأنفال:26).

التوسُّل بالنبيّ محمَّد (ص):

»اللهمَّ فصلِّ على محمَّدٍ أمينك على وحيك ونجيبك من خلقك وصفيّك من عبادك إمام الرّحمة وقائد الخير ومفتاح البركة«.

يا ربّ النبييّن، الذين أرسلتهم رحمةً للّناس كافة، ويا ربَّ محمَّدٍ الذي مننْتَ به علينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور، وليهدينا إلى صراطك المستقيم، صراط العزيز الحميد، وليزكّينا، ويعلّمنا الكتاب والحكمة، لنعرف مواقع إرادتك في كتابك، ولنتلّمس في وحي الحكمة، كيف نفهم حكمتك فيما أودعته في الوجود من قوانين وسنن، وفيما أخفيته في نظامه من حِكَمٍ وأسرار، وكيف نتعلّم الحكمة في حياتنا من خلال خطوط الرسالة في الوحي، ومن خلال إشراقة الوعي في العقل، وانطلاقة الحقيقة في التجربة.

إنَّنا نتوسَّل إليك أن تصلي عليه فترفع درجته وتمنحه أعلى مواقع رحمتك ورضوانك في كلّ مواقع القرب إليك، لأنَّنا نحبّه حبّ الرسالة من خلال حبّك، فقد علّمتنا في كتابك ـ يا ربّ ـ أنَّ علامة حبّنا لك هي اتباع رسولك، وأنَّ اتباع رسولك يمنحنا حبّك لنا بالإضافة إلى ما يوحيه من علامات حبّنا لك.

فهو الأمين على وحيك، فقد بلّغه للنّاس بكلّ تفاصيله من دون أن يخشى في اللّه لومة لائم، ولـم يزد حرفاً على ما أوكلت إليه إبلاغه لعبادك، ولـم ينقص منه حرفاً، فقد جمعت له كلّ آياته في صدره، وحفظته في وعيه من كلّ غفلةٍ أو نسيان، وبذلك كان الحجَّة البالغة لك على جميع خلقك، وهو نجيبك من خلقك الذي انتجبته من بين كلّ النّاس واصطفيته عليهم، لأنَّك وجدته الإنسان الكامل الذي يملك كلّ مؤهلات الرسول الذي تتجسّد الرسالة في كلّ صفاته وأفعاله، وتسمو في روحه وتنفتح على النّاس كافة من كلّ قلبه الذي اتَّسع لهم جميعاً.. وهذا هو سرّ استيحاء العظمة في ذاته، لأنَّك ـ يا ربّ ـ الإله الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فلا يخفى عليه شيء من ملامح الحقيقة في عمق ذاته، وكيف يخفى عليك ما أنت صنعته. ولذلك لـم تكن المسألة عندنا كيف نتعرّف صفاته لنمنحه من نفوسنا الإجلال والتكريـم، بل كانت المسألة عندنا أنَّه العظيم باختيارك له، والكريم باصطفائك له من بين خلقك، فذلك ـ وحده ـ هو الذي يعطينا فكرة تعظيمه. وكلّ ما عداه فهو تفاصيل بتفاصيل.

وهو الصفيّ من عبادك الذي اخترته لنفسك ليكون رسولك، والحبيب الذي رأيت الصفاء في روحه ومحبته لك وإخلاصه إليك، ومن خلال ذلك أحببته، فكيف لا نحبّه من كلّ أعماقنا، وبكلّ كياننا، ونحن عبادك الذين ننفعل بكلّ إيحاءاتك وإرادتك، لأنَّنا نفهم عبادتنا لك خضوعاً لك بأفكارنا وعواطفنا، فنحبّ من أحببت، ونكره من كرهت.

وهو إمام الرحمة، فقد تحوّل في كيانه إلى معنى يتجسّد في الذات، ولذلك كانت الرحمة تتحرّك في الواقع الحيّ للنّاس خلف خطواته وتطلّعاته وأقواله وأفعاله، فهو الرحمة في هدايته للنّاس، وهو الرحمة في شريعته السهلة السمحة التي تنفذ إلى كلّ خصوصياتهم في حاجاتهم وأوضاعهم وطموحاتهم وعلاقاتهم وآلامهم وآمالهم، لتشقّ لهم درب السعادة، ولتفتح لهم أبواب الفرح الروحي والمادي في الدنيا والآخرة، وهو الرحمة في أخلاقه التي تنفذ إلى مشاعر النّاس، فتلين لهم الكلمة، وتضيء لهم البسمة، وتحنو عليهم اللفتة والنظرة، وتفتح لهم كلّ الحبّ بالمعاملة، وهو الرحمة للقريب والبعيد، والعدوّ والصديق، لأنَّه لا يملك ـ من خلال تكوينه الروحي ـ إلاَّ أن يكون كذلك.

وفي هذا التعبير »إمام الرحمة« إيحاء فنيٌّ بلاغيٌّ يسمو بالمضمون الحيّ للرحمة في ذات النبيّ، بحيث يكون الشخص هو الإمام للقيمة، بدلاً ممّا هو المألوف، من أن تكون القيمة إماماً للشخص، لأنَّ الإنسان هو الذي يستهدي الفكرة فيما يتحرّك به من الاستقامة في سلوكه، وليست الفكرة هي التي تستهديه. فلا بُدَّ أن تكون القضية هي أنَّ الرحمة قد انسابت في النبيِّ محمَّدٍ (ص) انسياب الدم في العروق، حتّى تحوّل إلى تجسيد حيّ للرحمة، بحيث تتغذى في حركتها منه أكثر ممّا ينفعل بها في حركته.

وهو قائد الخير الذي يمثّل المضمون الأخلاقي العملي الذي يمتدُّ إلى كلّ المعاني التي تختزنها كلمات الحقّ والصلاح والعمل الصالح، وهو الذي يقود مفاهيمه ليحدّد لها حدودها الفكرية التي لا تقترب فيها من حدود الشرّ، لأنَّه يمنحها الوضوح ليمنع بذلك الغموض من النفاذ إلى عناصره، فيستغلها المضلّلون الذين يصوّرون الخير شراً والشر خيراً انطلاقاً من غياب الحدود الفاصلة بين الخير والشر في بعض الحالات.

وهو الذي يقود خطوات الخير في الاتجاه الصحيح في المسار العملي، فلا تنحرف ذات اليمين وذات الشمال، ولا تتساقط أمام حالات الضعف والانحراف.

وهذا ما يجعل من النبيّ الميزان العادل في الفكرة والتطبيق، لأنَّه يملك الوضوح في الفكرة والدقّة في فهم الواقع في دائرتها، ولعلّ المشكلة لدى الكثيرين من العاملين أنَّهم يجهلون الملامح الواضحة للمفهوم، فتختلط عليهم الصورة من خلال اختلاط الملامح، كما يجهلون معطيات الواقع في حدوده الواقعية التي تتحرّك فيها الظروف لتحدّد الخير والشر تبعاً للعناوين الجديدة التي تختلف باختلافها طبائع الأشياء.

وهو مفتاح البركة التي تمثّل المعنى الذي يقترب من النماء والزيادة والسعادة، وقد تحمل بعض إيحاءاتها معنى النفع للنّاس، وذلك فيما جاء عن أئمة أهل البيت (ع) في تفسير قوله تعالى: {وجعلني مباركاً} (مريـم:31) أي نفّاعاً للنّاس.

وهكذا كان النبيّ محمَّد (ص) مفتاح البركة برسالته التي تدعو النّاس إلى التعاون على البرّ والتقوى وتنهاهم عن التعاون على الإثـم والعدوان وتقودهم إلى التكافل والتواصل وتوجّههم إلى الارتفاع بالحياة الخاصة والعامة في آفاق المسؤولية التي تدفع بالنّاس إلى بذل جهدهم وتفجير طاقاتهم في سبيل الخير، الأمر الذي يؤدي بطبيعته إلى أن تتحوّل الحياة إلى حركة في اتجاه النمو والتطوّر والتقدّم والزيادة والنفع للنّاس كافّةً، لأنَّ الفكرة الخيّرة هي الخطوة الأولى في اتجاه عمل الخير، لأنَّها تحرّك الطاقة الإنسانية في هذا الاتجاه، لأنَّ الإنسان فكرةٌ في الكيان وحركةٌ في الواقع وتفاعلٌ بين ما يختزنه العقل من فكرة وما يتحرّك في الجسد من طاقة، ليكون الخير نتيجة هذا التفاعل الحيّ بين القيم الروحية والحركة المادية. وفي ضوء ذلك، تبتعد البركة عن أن تكون معنىً في الغيب الذي قد يحوّله البعض إلى طقوس، لتكون معنى في الحياة وفي الحركة وفي الواقع.

تجربة قاسية في سبيل الدعوة:

«كما نصب لأمرك نفسه وعرّض للمكروه بدنه».

فصلِّ عليه ـ يا ربّ ـ لأنَّه يستحق هذه الصلاة منك، لأنَّك ترفع درجة الصابرين المخلصين المجاهدين الذين يعيشون آلام المعاناة في سبيل الحصول على رضاك.

وها هو محمَّد الذي نصب لأمرك نفسه، بكلّ فكره وروحه وقلبه وتطلّعاته واهتماماته، فأنت كلّ شيء عنده، وأمرك الذي يتمثّل في إرادتك في رسالتك هو كلّ أمرٍ لديه، فقد عاش الحياة في جميع مجالاتها وأوضاعها ومشاكلها وآلامها وآمالها، فكنت ـ أنت ـ عقله الذي لا يتحرّك إلاَّ في آفاق الحقيقة الممتدَّة منك في توحيدك ونفي الشريك عنك، وفي مواجهة كلِّ الشكوك والشبهات التي قد تبعد النّاس عن ذلك، وكنت ـ أنت ـ كلّ روحه وقلبه وشعوره، فلم تنفتح روحه إلاَّ على سماوات القدس في معاني الغيب لديك ومعارج الروح في قدسك، ولـم ينبض قلبه إلاَّ بحبّك وحبّ الذين يخلصون لك ويؤمنون بك، ولـم تتحرّك مشاعره إلاَّ في مواقع رضاك، وكنت ـ أنت ـ كلّ نشاطه وجهده في كلِّ عضوٍ من أعضائه وكلِّ حركة من حركاته، فلا مجال لجهد لا يُبذل في خدمة رسالتك ولا مجال لنشاط لا يتحرّك في خطّ الدعوة إليك، وفي حركة التقوى لديك.

لقد نصّب نفسه لكلّ أمرك، فلم تكن له حياةٌ ذاتية يسترخي فيها لمشاعره الذاتية، ولعلاقاته العائلية، بل كانت كلّ حياته للرسالة التي حـمَّلته مسؤوليتها في الدعوة والحركة والجهاد.

وعرَّض فيك للمكروه بدنه، فلم يسترح ساعةً، ولـم يخلد إلى راحة، بل قاسى التعب والجهد، وعانى من المكاره التي كانت تصيبه في جسده وشعوره، وارتقى الجبال، ونزل إلى الوديان، وقطع الفيافي والصحارى راكباً وماشياً، لـم يقعده عن ذلك حرٌّ ولا بردٌ، من أجل أن يدعو النّاس إلى الإيمان بك والالتزام بأوامرك ونواهيك، وانطلق يقاتل كلّ الذين أرادوا أن يمنعوه من أداء الرسالة ويبعدوه عن الانتصار للإسلام من الكافرين والمشركين والمنافقين، حتّى استنفد كلَّ طاقته وبذل كلّ جهده، وعانى ـ في ذلك كلّه ـ كلّ الآلام، وقاسى أهوال المصاعب والشدائد، حتّى روي عنه أنَّه قال: »ما أوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت«.

قال صاحب رياض السالكين ـ تعليقاً على هذه الفقرة ـ:

»فمن قرأ كتب السير علم ذلك، كاستهزاء قريش به في أوَّل الدعوة، ورميهم إيَّاه بالحجارة حتّى أدموا عقبه، وصياح الصبيان به، وفرث الكرش على رأسه، وفتل الثوب في عنقه، وحصره مع أهله في شعبِ بني هاشم سنين عدّة محرّمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم، حتّى كادوا يموتون جوعاً لولا أنَّ بعض من كان يحنو عليهم لرحمٍ أو بسبب غيرة يسترق القليل من الدقيق أو الثمر ويلقيه إليهم ليلاً، ثُمَّ قصدهم له بالأذى ولأصحابه بالضرب والتعذيب بالجوع والوثاق في الشمس، وطردهم إياهم من شعاب مكة، حتّى خرج من خرج منهم إلى الحبشة، وخرج هو مستجيراً منهم تارةً بثقيف، وتارة ببني عامر، وتارة بربيعة الفرس وبغيرهم، ثُمَّ أجمعوا على قتله والفتك به ليلاً، حتّى هرب منهم لائذاً بالأوس والخزرج، تاركاً أهله وولده وما حوته يده، ناجياً بحشاشة نفسه، حتّى وصل إلى المدينة، فناصبوه الحرب، ورموه بالكتائب، وصدّقوه القتال والكفاح، حتّى أدموا فمه وطاح مغشياً عليه، ولـم يزل منهم في عناء شديد وحروب متَّصلة إلى أن أكرمه اللّه تعالى بنصره وأيَّده بظهور دينه، ومن له أنسٌ بالتواريخ يعلم من تفاصيل حاله ما يطول شرحه«.

«وكاشف في الدُّعاء إليك حامّته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأقصى الأدنين على جحودهم، وقرَّب الأقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين».

يا ربّ، لقد كانت تجربة نبيّك محمَّد (ص) كتجربة أولي العزم من رسلك، من أقسى التجارب وأكثرها قسوةً على النفس.. إنَّها تجربة الرساليين الذين يواجهون العالـم كلّه بالرسالة، فيلتزمون إيمانهم باللّه كخطٍّ عريض تشمل امتداداته كلّ مواقع حياتهم، فمن كان وليّاً للّه فهو لهم وليّ حتّى لو كان من أكثر النّاس بُعداً عنهم، ومن كان عدوّاً للّه فهو لهم عدوّ حتّى لو كان من أقرب النّاس إليهم، لأنَّهم خرجوا من دائرة علاقاتهم الذاتية إلى ساحة علاقاتهم الرسالية.

وهذا ما عاشه رسولُ اللّه محمَّد (ص)، الذي كان ـ قبل النبوَّة ـ من أحبِّ النّاس إلى عشيرته وأوثقهم لديها بحيث لا تجد مبغضاً له في أفرادها، لأنَّه كان الإنسان الأمين الصادق المحبّ المسالـم الذي لا يؤذي أحداً بكلمة، ولا يسيء إلى أيّ إنسان بنظرة.

حتّى إذا جاءت الرسالة، وأراد اللّه له أن يصدع بها وأن ينذر قومه بها كمقدمة لبناء القاعدة الأولى من عشيرته الأقربين، وقف لينذر وليدعو وليبلّغ وليواجه واقع الخرافات في العقيدة وفي العبادة.. وليتحدّى بالكلمة وبالموقف حامّته وهم أقرباؤه وخاصته، فجاهرهم بالدعوة إلى التوحيد، ودعاهم إلى الابتعاد عن الشرك، وناداهم إلى الانفتاح على اللّه في مواقع طاعته والانغلاق عن الشيطان في زوايا ضلاله.

وحارب في سبيل رضاك أسرته، وهم الأقربون إليه الذين حاربوا اللّه في توحيده والرسول في رسالته، كأبي لهب وأمثاله ممّن ساروا مع المشركين لقتال رسول اللّه (ص)، لأنَّ المسألة لديه هو أن يحصل على رضاك ـ يا ربّ ـ فيما تريده من الاندفاع في مواجهة الكفر كلّه والشرك كلّه.

وقطع كلّ رحِمِه في سبيل إحياء دينك، عندما وقفت قريش وهي رحِمه لتواجه دين اللّه ولتطفئ نور اللّه، فوقف أمامها بكلّ قوّة وقاتلها بكلّ شدّة، لأنَّ الرحم لا توصل إذا قطعت حبلها مع اللّه.. وهكذا كنت أقرب إليه من كلّ أهله وقرابته وخاصته، فتبرأ منهم وانفتح عليك، وقاطعهم ووصل حبله بك، وحاربهم وسالمك.

وهكذا أقصى الأدنين إليه لأنَّهم جحدوك، فلم يجد أيّ شيءٍ يقرّبهم إلى نفسه التي اندمجت برسالته، وقرّب الأقصين الذين لا تربطه بهم رابطة نسب ولا تصله بهم صلة بلد أو إلفةٍ أو ما إلى ذلك ممّا اعتاد النّاس أن يتواصلوا من خلاله، لأنَّهم استجابوا لك فكانوا القريبين إليه بالعقيدة وبالالتزام والانتماء الرسالي في كلّ خطوط الحياة.. ولـم تكن المسألة مجرّد حركة في القرب والبُعد، بل كانت حركةً في الفكر والشعور والموقف، وهي مسألة الولاء التي تعبّر عن التفاعل الفكري والروحي والعملي مع الذين يلتزمون الخطّ الذي يلتزمه الإنسان، حيث يمتزج الحبّ بالواقع فيتحوَّل إلى موقف.

وقد جاء في الحديث عن رسول اللّه (ص) فيما رواه الإمام جعفر الصادق (ع) عنه: »أنَّه قال لأصحابه: أيُّ عرى الإيمان أوثق؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام والحج والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول اللّه (ص): لكلّ ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللّه والبغض في اللّه وتولّي أولياء اللّه والتبرؤ من أعداء اللّه«(1).

وهذا هو النهج الذي كانت حياة النبيّ (ص) في علاقته بالنّاس سائرة على هداه، ولكن ذلك لا يمنع من اللقاء والتواصل والتحاور والتعاون في بعض مواقع اللقاء انطلاقاً من طبيعة الضرورات التي تحكم الواقع الإسلامي، والظروف الخاصة التي تفرضها المصلحة الإسلامية العليا، فإنَّ هناك فرقاً بين الانفتاح على الآخرين على مستوى الدعوة والتعايش، وبين الموالاة لهم على مستوى الموقف ووحدة الموقع، حيث لا يمانع الإسلام في خطّه الاجتماعي والسياسي من الانفتاح، بينما يرفض الموالاة في صعيد الحركة والموقف.

النهج السليم للدعاة:

«وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدّعاء إلى ملّتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك».

لقد أعطى نبيُّك محمَّد (ص) للرسالة كلّ نفسه بكلّ طاقتها، حتّى أجهدها بالأعباء الكثيرة التي تحمَّلها في سبيل ذلك، حتّى كان يعيش في مشاعره الآلام والحسرات على الذين يجهد في إبلاغ رسالتك إليهم فيرفضونها، ولذلك فهو يتابعهم بالتجربة تلو التجربة، فلعلّ التجربة الأخيرة تلتقي بالظروف الداخلية والخارجية من ذواتهم بعد أن فشلت التجربة الأولى. وهو لا يفعل ذلك أو يتألـم من ذلك لما يكرهه من الفشل الذاتي للتجربة الشخصية، بل لأنَّه يحبّ الرسالة ويريدها أن تتجسّد في حياة النّاس، ويحبّ النّاس ويريد لهم أن يحصلوا على إيجابيات الرسالة وأرباحها في الدنيا والآخرة، فيتألـم لهم إذا خسروا ذلك كلّه.

وهذا هو الذي جعل إصرار الكافرين على كفرهم، والمشركين على الشرك، والمنافقين على النفاق، خاضعاً للذهنية المعاندة التي ترفض التفكير في الرأي الآخر، أو للعقلية المتعصّبة التي تختنق في زوايا عصبيتها، فلا تتنفّس هواء الفكر الحر في أجواء الحوار الباحث عن الحجّة القاطعة والبرهان القوي، أو للشخصية السلبية التي تواجه المسألة الفكرية أو العقيدية بطريقة اللامبالاة التي تفقد الاهتمام بالنتائج المصيرية المترتبة على الإيمان وعدمه.

وليس خاضعاً للقصور في حركة الفكر في خطّ القوّة، أو لابتعاد الأسلوب عن مواقع القناعة، أو للهزيمة الروحية التي يعانيها الداعية في حالات الفشل، لأنَّ رسول اللّه (ص) كان يبذل الجهد كلّه في تبليغ الرسالة بكلّ الوسائل التي يملكها، حتّى لا تبقى هناك وسيلة للإبلاغ إلاَّ وقدّمها للنّاس، ولا يبقى هناك جهدٌ للإقناع إلاَّ وبذله في سبيل ذلك.

لقد أجهد نفسه في سبيل تبليغ الرسالة، وأتعبها في الدُّعاء إلى الملّة الإلهية فيما يتمثل فيها من العقيدة والمنهج والشريعة، حتّى استطاع أن يفتح قلوب النّاس وعقولهم على الرسالة في دائرة الملّة، وعلى الملّة في آفاق الرسالة قبل أن يفتح البلاد عليها.

وهكذا كان النصحُ لأهلِ دعوة اللّه كلَّ همّه، كان يفكِّر بهؤلاء الذين استجابوا لدعوة اللّه بالتوحيد له والالتزام بأوامره ونواهيه، ويريد لهم أن يستقيموا على الطريق المستقيم ويخلصوا للّه كلّ أمرهم، فلا ينحرف أحدٌ بهم عنه ذات اليمين وذات الشمال في قولٍ أو فعلٍ أو علاقة، ولا يبتعد أحدٌ بهم عن اللّه فيما يفكّرون به من أمورهم، ولذلك كان يقدّم لهم النصيحة تلو النصيحة والموعظة وراء الموعظة، ويفتح لهم أبواب المعرفة ويعمِّق لهم إحساس الوعي للحقّ ولمواقعه في الحياة، ويذكّرهم آيات اللّه، ويخوّفهم عقاب اللّه في ناره، ويثير في قلوبهم الشوق إلى نعيمه في جنّته.

وهذا هو النَّهج السليم للدّعاة إلى اللّه الذين لا يكتفون من جهدهم بإدخال النّاس في الدين، بل يتابعون ذلك بالشغل الشاغل الدائم، لتثبيتهم على قواعده، وتوجيههم إلى شرائعه، وتقريبهم إلى مواقع رضا اللّه في جزئيات حياتهم وكلياتها، وفي مصادرها ومواردها، لأنَّ الداعية إذا ترك النّاس لأنفسهم من دون ملاحقةٍ لأفكارهم وأعمالهم، فإنَّهم قد يبتعدون عن خطّ الدعوة بفعل الدعوات الضالة التي تحاول الالتفاف على مشاعرهم وأفكارهم وتوجيه خطواتهم إلى نهج الانحراف من حيث لا يعلمون ولا يشعرون، ولهذا كان الخطّ العملي للأمّة كلّها في امتداد حركة المجتمع المسلم الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث كان ذلك مسؤولية الأمّة كلّها تبعاً للحاجة في حجم العاملين في هذا السبيل، وليس مسؤولية فريقٍ خاص من الدعاة إلى اللّه.

إنَّه نهجُ الرساليين الذين يعيشون الرسالة جهداً دائباً للطاقات كلّها، وتعباً شديداً في الساحات كلّها، وشغلاً شاغلاً للوقت كلّه، فلا مجال لفراغ، ولا فرصة لاسترخاء، لأنَّ الإسلام يريد من الداعية إلى اللّه كلَّ نفسه وكلّ جهده وكلّ وقته في مواجهة أعداء اللّه الذين يبذلون كلّ جهدهم في التهويل والتخويف والإضلال وإثارة نقاط الضعف في نفوس المسلمين المستضعفين الذين يعيشون مشاكل الحياة واهتزازات الواقع، فيدفعهم ذلك إلى الاستسلام للمستكبرين الكافرين، فينحرفون عن الخطّ من حيث يشعرون ولا يشعرون.

وربَّما كانت المشكلة في سلوك الكثير من علماء الدين الذين اتخذوا لنفسهم الصفة الرسمية في تمثيلهم للإسلام في الواقع الإسلامي، بحيث احتكروا الصفة التمثيلية لأنفسهم في ذلك على نطاق الواقع الاجتماعي أو الرسمي، فجعلوا من مواقعهم المواقع الوحيدة التي تملك النطق باسم الإسلام.

ربَّما كانت المشكلة في سلوك هؤلاء أنَّ الإسلام قد تجمَّد في وعيّهم ومات في مشاعرهم واسترخى في نشاطهم، فتحوَّل إلى جسرٍ يعبرون عليه إلى ثرواتهم وطموحاتهم وامتيازاتهم، فتحوَّلوا إلى طبقة مميّزة تعلو على المؤمنين المستضعفين، وأصبح الإسلام لديهم مجرّد مهنةٍ للكسب المادي بدلاً من أن يكون رسالةً للحصول على رضا اللّه.. وبذلك تحوَّلوا إلى حاجزٍ يقف بين الإسلام وبين النّاس، في الوقت الذي يريدهم اللّه أن يكونوا القوّة التي تحطم كلّ الحواجز المادية التي تحول بين النّاس وبين الانفتاح على اللّه وعلى دينه في مواقع الدعوة والجهاد، ولهذا دعاهم إلى أن يكون رسول اللّه (ص) القدوة لهم في كلّ ذلك.

شخصية الرسول تذوب في رسالته:

«وهاجر إلى بلاد الغربة ومحلّ النأي عن موطن رحله، وموضع رجله، ومسقط رأسه، ومأنس نفسه، إرادةً منه لإعزاز دينك، واستنصاراً على أهل الكفر بك».

لقد كان النبيّ بشراً كأيِّ بشرٍ في المشاعر الحميمة التي يعيشها النّاس تجاه ما يألفونه من أهلهم وملاعب طفولتهم وملتقى ذكرياتهم ومستقر رحلهم ومواقع أنسهم، لأنَّ الإنسان مخلوقٌ في طبيعته على أن يكون ألوفاً شغوفاً بما حوله ومن حوله فيما يعيشه من الأوضاع التي تلازم طفولته وشبابه.

ولكنَّ النبيّ محمَّد (ص) كان عبداً للّه ورسولاً له.. وكان يجد في معنى عبوديته أن يتنكر لكلّ الأشياء الحميمة في حياته الحبيبة إلى قلبه، اللصيقة بمشاعره إذا أراد منه سيّده ـ وهو اللّه ـ أن يهملها أو يتركها أو يبتعد عنها انطلاقاً من مسؤولياته التي تفرض عليه ذلك، لأنَّ العبد لا بُدَّ له من أن يطيع سيِّده في كلِّ أوامره ونواهيه، بعيداً عن نزوات نفسه، ومشاعر حسِّه، لا سيّما إذا كان يعلم أنَّ سيّده لا يريد به إلاَّ خيراً في عاقبة أمره.

وكان يفهم أنَّ شخصية الرسول تذوب في الرسالة، فيتحوَّل بذلك من إنسانٍ يملك خصوصياته الذاتية إلى إنسانٍ يملك المسؤولية العامة، وبذلك ينتقل من الخاص إلى العام، لتكون له أخلاقية الرسالة ومطامحها وأحلامها وقضاياها وعلاقاتها، الأمر الذي يدفعه إلى أن يعمل على تغيير نفسه لتكون على صورة الرسالة في كلّ ذلك.

وقد لا يكون معنى ذلك أن يُلغي الإنسان نفسه في كلّ خصائصها الذاتية، فيبتعد عن حاجاتها الضرورية أو الكمالية التي تقتضيها طبيعته الخاصة، لأنَّ ذلك يعني الخروج عن العناصر الحيّة للذات في خصوصياتها التي تنفتح بها على حركة الحياة من حولها، بل معنى ذلك هو أن يربي الرساليّ نفسه على أخلاق الرسالة وحاجاتها العملية، فيوفِّق بين خصوصية ذاته وبين خصوصية الرسالة، فلا يكون هناك تنافرٌ وتجاذب وصراع بينهما، بحيث يؤدي إلى التعقيد الذي يُربك الخطوات ويقود إلى المتاهات الفكرية والعملية.

إنَّ القضية هي قضية إيجاد القاعدة التي تنفتح فيها الذات على قضايا الرسالة وتستفيد الرسالة ـ معها ـ من انطلاقات الذات في أشواق الحياة.

وهذا هو الذي تتمثّل فيه سيرة رسول اللّه (ص) الذي ربّى نفسه على محبة اللّه، فكان بعين اللّه في كلّ أخلاقه وفي كلّ مطامحه ومواقفه، حتّى قالت عنه بعض زوجاته ـ فيما روي عنها ـ لقد كان خلقه القرآن، بحيث كان قرآناً يتجسّد ويتحرّك ويدعو بسلوكه، حتى قيل عنه: إنَّه القرآن الناطق الذي يترجم بأقواله وأفعاله القرآن الصامت، ليبعث فيه الحياة من خلال الوضوح في الصورة والاستقامة في خطّ السير، فكان النّاس يسمعون منه كلام اللّه فيفهمونه بطريقتهم الخاصة، ثُمَّ يلتفتون إليه فيفهمونه من إشاراته وإيحاءاته وخطواته وأخلاقه بطريقته الرسالية، فيصحِّحون فهمهم للقرآن في ذاتياتهم بما يلقيه إليهم في تعابيره الحيّة في رسالته.

وفي ضوء ذلك، كانت أخلاق الجهاد في ما تختزنه من التضحية ونكران الذات والضغط على المشاعر، والتمرّد على الرغبات، هي الأخلاق التي أخضع نفسه لها وحرّك حياته في اتجاهها.

الهجرة موقع لإعزاز دين اللّه:

وكانت الخطّة التي خطَّط اللّه لها في حركة الرسالة، أن ينتقل النبيّ محمَّد (ص) من وطنه إلى مكانٍ آخر، ويخرج من مكة إلى يثرب بعد أن استكمل خطّة الدعوة في مدى ثلاث عشرة سنة، وهي الفترة التي قضاها في مكّة داعياً إلى اللّه، مستفيداً من موقعها الروحي والاقتصادي والثقافي والسياسي الذي يجتذب النّاس إليها، فيجتمعون فيها في المواسم المتنوّعة، فيوفّر ذلك على الرسول جهداً كبيراً في الانتقال إلى النّاس في بلادهم ممّا قد لا تتوفّر ظروفه نظراً للصعوبات الكثيرة التي تحول بينه وبين ذلك.

وقد عاش تلك الفترة متاعب الدعوة ومشاكلها وتضحياتها وتعرّض للضغوط القاسية التي كانت تهدّد حياته وحياة المؤمنين به، حتّى اضطرّ بعضهم إلى الهجرة إلى الحبشة بعد إذن النبيّ لهم في ذلك، لأنَّ الضغوط كانت أقوى من قدرتهم على الثبات.

وربَّما كان لتلك الضغوط التي واجهها من قريش ومن غيرها أثرها الكبير في إثارة اهتمام النّاس به وبالرسالة، لأنَّ الاضطهاد في أيّ موقع يجتذب فضول النّاس في أسبابه ومواقعه وأساليبه، ما قد يؤدِّي إلى إثارة الفضول حول الإسلام الذي كان هو السبب فيما تعرّض له الرسول عليه الصلاة والسلام من ضغط المشركين عليه وعلى أصحابه، وقد استطاع بفعل ذلك وبسبب جهده المتواصل وثباته الشديد وأساليبه الحكيمة وأخلاقه الرساليّة وحيوية الإسلام في خطّه الفكري والعملي، أن يجتذب الكثيرين إلى الإسلام معززين بالإيمان والعزيمة والتصميم للدفاع عنه في كلّ المواقع والظروف.

وهكذا بدأت القاعدة الإسلامية للمجتمع الإسلامي الجديد تتخذ لنفسها موقعاً قوياً ثابتاً في يثرب التي دخل الكثيرون من أهلها في الإسلام وبايعوا النبيّ محمَّد (ص) على أن يمنعوه من أعدائه بما يمنعون به أنفسهم وأهاليهم.

ولذلك رأت قريش أنَّ خير وسيلة للتخلّص منه هو محاولة قتله، وبذلك كانت هجرته خاضعة لظروف موضوعية لا تنطلق من ذهنية الهزيمة، بل تتحرّك في حكمة الخطّة الموضوعة التي تحسب للزمن حسابه، وللخطوات العملية في تنظيم التحرّك الفاعل نحو المستقبل الجديد، حسابها.

وكانت الهجرة، التي أصدر اللّه إليه قرارها، لا تخلو من الصعوبة في تأثيرها على مشاعره فقد كانت قراراً بالانتقال إلى بلاد الغربة التي لا يملك فيها أهلاً ولا عشيرةً، وبالابتعاد عن مستقره وعن مواقع خطوات صباه وشبابه ومسقط رأسه ومواطن أنسه فيما يأنس به الإنسان في ساحات ذكرياته مع أهله وخلاّنه.

وجاء في بعض الرِّوايات المذكورة في كتب السيرة والتفسير، أنَّه كان يعزّ عليه فراق مكة والهجرة عنها، وروي أنَّه لما خرج منها مهاجراً التفت إليها وظنّ أنَّه لا يعود إليها ولا يراها بعد ذلك، فأدركته رقَّةٌ وبكى، فأتاه جبرائيل (ع) وتلا عليه قوله تعالى: {إنَّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد} (القصص:85).

وهناك رواياتٌ أخرى تقترب من هذا المضمون وتوحي بأنَّ النبيّ (ص) كان يعيش المشاعر الحميمة تجاه موطنه، انطلاقاً من المشاعر الإنسانية الطبيعية التي يعيشها النّاس في هذه الحالات.

ولكنَّه لـم يدع لهذه المشاعر أن تقف حاجزاً بينه وبين الانطلاق إلى هدفه في تركيز قواعد الإسلام في مواقع جديدة للقوّة، ليعود بعدها إلى موطنه ـ الذي يمثّل كعبة المسلمين جميعاً ـ قوياً بالإسلام، فاتحاً بإذن اللّه.

وهكذا هاجر إلى بلاد الغربة ومحلّ النأي عن موطن رحله وموضع رجله ومسقط رأسه ومأنس نفسه، لأنَّه قرَّر الانتقال إلى الموقع الذي يستطيع فيه إعزاز دين اللّه من خلال القوّة الجديدة التي حصل عليها في إيمان النّاس به، والتفافهم حوله، واستعدادهم للذود عنه وعن الإسلام بقيادته، وذلك في مرحلة جديدة لحركة الدعوة، ولانطلاقة القوّة التي يتحدّى فيها الكفر كلّه بالإيمان، ويواجه الشرك كلّه بالتوحيد، ويواجه التحدّي من جهة أخرى، ليبدأ الجهاد في مواقعه بقوّة اللّه الذي إذا استنصره رسوله وعباده المؤمنون استجاب لهم فنصرهم على أعداء الإسلام.

وهذا هو الذي جعل من شخصية المهاجر في شخصية الرسول شخصيةً معبّرة أصدق تعبير عن حركة الداعية الإسلامي في المواقع الجديدة التي يمكن أن يطلَّ منها الإسلام على مستقبل قوي منفتح على موقع القوّة وآفاق الامتداد، لأنَّ الدعوة لا يمكن أن تخضع لموقع معيّن ضاغط على الحركة انطلاقاً من حالة شعورية خاصة تربط الإنسان الداعية بالزوايا المغلقة في المكان المحدود، فإنَّ مثل هذه الذهنية البائسة قد توحي بالانكفاء والتراجع عندما تفرض على العاملين التقدّم نحو مواقع الخطر فيما تفرضه الحاجة إلى الانفتاح على الآفاق الواسعة للوصول إلى مراحل متقدّمة في حركة الإسلام في واقع الإنسان، لأنَّ ذهنية الخوف من تغيير المكان أو تغيير العادات المألوفة تحبس الإنسان في داخل ذاته، بحيث لا يستطيع أن يحرّك طموحات الرسالة في حركة الذات.

وهذا هو ما تأباه التربية الإسلامية التي تريد لكلّ المسلمين الحركيين أن يفكّروا بأنَّ الدعوة إلى الإسلام لا بُدَّ أن تشمل العالـم كلّه من خلال حركة المسلم العالمي الذي يعيش روحيته الإسلامية بحجم العالـم لا بحجم قريته ومنطقته ووطنه.

وفي ضوء هذا، لا بُدَّ أن تدخل شخصية المهاجر في عمق تكوين الشخصية الإسلامية من خلال إيحاءات الهجرة ونتائجها وبركتها على الإسلام والمسلمين، فيما أخذ به المسلمون من القوّة والامتداد، ليكون لنا الدعاة والمهاجرون في كلِّ زمانٍ ومكان.

الفتح حطَّم الحواجز:

«حتّى استتب له ما حاول في أعدائك، واستتمّ له ما دبّر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحاً بعونك، ومتقوّياً على ضعفه بنصرك، فغزاهم في عقر ديارهم، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم، حتّى ظهر أمرك وعلت كلمتك ولو كره المشركون».

وهكذا اكتملت الخطّة في فكره، وتحرّكت في مسيرته، وحدّد مواقع الضعف في الأعداء، وعرف كيف يستفيد منها، واكتشف مواطن القوّة فيهم، وقرّر كيف يواجهها، ثُمَّ دبّر أمر المسلمين، ووزَّع عليهم أدوارهم، وحدّد لكلّ منهم موقعه في الساحة، ودعاهم إلى الأخذ بأسباب القوّة، وتوفير شروط النصر، وتحقيق عناصر الثبات، وأثار فيهم عنفوان الإيمان في مواجهة الكفر، وطموح روحية النصر في مقابل ذهنية الهزيمة.

فنهض، بكلّ روحيّة الرسالة في روحه، وبكلّ مسؤولية الإيمان في مسؤوليته، منطلقاً نحو الفتح الذي يحطّم الحواجز التي تحول بين النّاس وبين الإسلام، فيما كان يضعه المشركون من الحواجز النفسية أو المادية التي تمنع المستضعفين من الدخول في الإسلام مع اقتناعهم به، لأنَّهم يخافون من سطوتهم وطغيانهم عليهم في مواقع الاستضعاف. وكان المسلمون لا يزالون يعيشون حالة الاستضعاف هذه، في نتائجها السلبية التي أدّت إلى أن يسقط بعضهم تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام قريش، حتّى قال قائلهم للنبيّ (ص) عندما استشارهم في أمر القتال مع قريش في معركة بدر:

»يا رسول اللّه هذه قريش ما ذلّت منذ عزّت«.

وكأنَّه يريد أن يقول للنبيّ: لا طاقة لنا بالوقوف أمام قريش في معركة عسكرية، بل لا بُدَّ لنا أن نتفادى ذلك ما أمكننا ونصالحها ونعطيها ما تريد، لأنَّ النتائج في الحرب سوف تكون لمصلحتها لا لمصلحة المسلمين.

ولكنَّ الرسول انطلق بعون اللّه عندما كان يفكّر بالفتح، فلم يقصّر في تخطيطه على القوّة المادية، بل تحرّك ليحشد في أصحابه كلّ عناصر القوّة الروحيّة من خلال آيات اللّه، ومن خلال إيحاءات الإيمان بالقوّة لكلّ الضعفاء والمستضعفين. وهكذا استجمع القوّة لنفسه ولجيشه القليل في عدده وعدّته، وتغلّب على كلِّ نقاط الضعف بما كان يثيره في نفسه وفي الأجواء العامة للمعركة في ساحة الصراع من مشاعر القوّة، وأفكار النصر.

وبدأت المعركة هجوماً في روحيّة الدفاع، وغزواً في موقع الوقاية من العدوان، فانطلق إليهم في عمق ديارهم وساحة استقرارهم، وتنوَّعت المعارك بين بدر وأحد وخيبر والأحزاب وقريظة والنضير، وعاش المسلمون فيها أكثر من تجربةٍ قاسية وموقفٍ صعب، بحيث امتحنوا بالنصر تارةً وبالهزيمة أخرى، وبالمراوحة بين مواقع النصر والهزيمة معاً في واقعة واحدة، وبدأ الشرك يضعف بفعل ضغط المسلمين، وبدأ الإسلام يقوى بفضل جهاد المؤمنين ولو كره المشركون، وهكذا امتدت المعاناة حتّى ظهر أمر اللّه وعلت كلمته، وجاء الفتح، وبدأ النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، فقد تحطَّمت الحواجز كلّها، وأصبح الإسلام ملجأً للمستضعفين الذين رأوا في قوّة الإسلام قوّةً لهم، وفي عزته عزةً لهم.. وانطلقت الدعوة حرّةً من كلِّ قيد، متحرِّرةً من كلِّ ضعف، ولـم يبقَ أمام المسلمين إلاَّ أن يبادروا بالانفتاح على المسؤولية في مواقع الدعوة وعلى التحدّي في مجالات الجهاد.

اجعله يا ربّ في المراتب العليا:

«اللّهمَّ فارفعه بما كدح فيك إلى الدرجة العليا من جنّتك، حتّى لا يُساوى في منـزلة، ولا يُكافأ في مرتبة، ولا يوازيه ملكٌ مقرّبٌ ولا نبيٌّ مرسل».

يا ربّ محمَّد ومرسله وراعيه.. هذا هو نبيّك في دعوته وفي حركته وفي جهاده، وفي الدرجات العليا من إخلاصه وطاعته ومحبته لك، هذا هو رسولك الذي عانى الكثير من المتاعب، وواجه الصعب من المصاعب، وتحمَّل أعباء الرسالة كما لـم يتحمَّلها نبيٌّ قبله، وعاش مشاكلها بكلّ قوّة، لقد أحبّك كما لـم يحبّ أحدٌ أحداً، وقد أخلص لك بكلّ قلبه وروحه وفكره.. وقد أحبَّ النّاس من خلال حبّه لك، لأنَّ الخلق كلّهم عيالك، فعاملهم بكلِّ رأفةٍ ورحمةٍ ومحبَّةٍ وانفتاح.. وفهم الحياة ساحة عملٍ وكدح، وحركة ورسالة، فكان الكادح القويّ الجادّ المخلص في كدحه، لأنَّه كان الكادح فيك ولك عندما رأى أنَّ الكون هو المعمل الذي تدفع عبادك كلّهم إلى أن يعملوا فيه، ليجعلوا منه صورةً للخير وللحقّ وللعدل وللسموّ في آفاق التقدّم والنموّ والازدهار على خطّ الإبداع، وقد خاطبت الإنسان كلّه فيما أنزلته على رسولك بقولك ـ سبحانك ـ {يا أيُّها الإنسان إنَّك كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه} (الانشقاق:6).

اللهمَّ فارفع محمَّداً إلى الدرجة العليا من جنّتك، التي يتميّز بها عن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، فيما تغدقه عليه من رحمتك ولطفك ورضوانك، لأنَّه كدحٌ فيك أفضل ما يكون الكدح في جهد الكادحين إليك، ولأنَّه أخلص لك أعلى ما يقدّمه المخلصون لك من علامات الإخلاص.

لقد أخرجنا من الظلمات إلى النور بوحيك وبهداك وبما أعطاك من فكره وقلبه وجهده من الحبّ الرسالي الذي أدخل ـ من خلاله ـ الفكرة إلى عقولنا، والآية إلى أسماعنا، والروح الإلهي إلى شعورنا وروحنا، فله الفضل علينا من خلال فضلك الذي منحته له، ومنحتنا إياه من خلاله.

إنَّنا نحبُّه ـ يا ربّ ـ لأنَّه أعطانا الحبّ من كلّ كيانه، فكنّا معه المؤمنين الذين عاشوا حبّ الرسول من خلال حبّ اللّه، وعاشوا حبّ الإيمان من خلال انفتاحهم على مواقع الغيب والحضور في آفاقك النورانية، وفي رحابك الرسالية.

إنَّنا ندعو إليه، وليس بحاجةٍ إلى دعائنا، بل نحن بحاجة إلى دعائه، ولكنَّنا نعبِّر عن اللهفة والمحبة والإخلاص له في خطِّ رسالته.

«وعرفه في أهله الطاهرين وأمّته المؤمنين من حسن الشفاعة أجلَّ ما وعدته».

إنَّ للرسول أهلاً من الطاهرين الذين طهَّرتهم من الرجس تطهيراً، وإنَّ له أمّة من المؤمنين الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم وعاشوا الإيمان في حياتهم.

وهو الذي أحبَّ أهله كما أحبَّ أمته، لا عن عصبية للأهل، ولا عن عاطفيّةٍ للأمّة، ولكنَّه أحبَّ الطهر في الطاهرين، والإيمان في المؤمنين، فلم يبتعد عن رسالته عندما اقترب من عاطفته، ولـم ينحرف عن إيمانه عندما التقى بالمؤمنين في لقاء محبته.

لذلك عرّف محمَّداً ـ يا ربّ ـ أجلَّ ما وعدته من حسن الشفاعة في أهله وأمته، ليكونوا معه في جنّتك في الدرجة العليا التي يستحقّها الطاهرون والمؤمنون، كما كانوا معه في الدنيا في جنّة الطاعة في رحلة الجهاد إليك يا ربّ المؤمنين.

«يا نافذ العدّة، يا وافي القول، يا مبدّل السّيئات بأضعافها من الحسنات، إنَّك ذو الفضل العظيم الجواد الكريـم».

لقد وعدتنا ـ يا ربّ ـ الكثير من رحمتك ولطفك وتوفيقك وتأييدك ورعايتك في كلّ حياتنا، وأنْتَ نافذُ العدّة، فلا تخلف وعدك، بل ينفذ إلى حياة النّاس الذين وعدتهم كما ينفذ السهم من الرقية لينطلق إلى هدفه.

وأنت الصادق في قولك في كلّ ما حدّثتنا به وفي كلّ ما وعدتنا به من مغفرتك وإحسانك، وأنت مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات إذا تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات، وذلك هو قولك في كتابك:

{إلاَّ من تاب وآمن وعمل صالـحاً فأولئك يبدّل اللّه سيئاتهم حسنات} (الفرقان:70)، وأنت ذو الفضل العظيم الذي لا يرقى إليه فضلٌ في كلّ مواقع الرحمة والخير والإحسان.

فأعطنا ـ يا ربّ ـ الخير كلّه، والمغفرة كلّها، وبدّل سيئاتنا حسنات وارزقنا رضوانك وجنّتك إنَّك أنت أرحم الراحمين.