أبو محمد
السعودية
السيد فضل الله .. والإسلام الحركي
أصبحت المرجعية في عالم اليوم تحتاج إلى جهد مضاعف يفوق ما
كانت عليه في الماضي بسبب ظروف العصر وحجم التحديات التي تواجه
الإسلام وتواجه هذه المرجعية فالنظرة التجزيئية للإسلام تجعل
التحرك الإسلامي يكون محدود الآفاق والتطلعات بعكس النظرة
الشمولية الكلية للدين الإسلامي بأنه وكما يعبر عنه السيد
الراحل " دين الفكر والعاطفة والحياة " ونظرة سريعة لعالم
المرجعية الشيعية يظهر واضحًا للعيان وجود تيارين أساسيين فيها
هما :الاتجاه التقليدي الذي يستهدف بالدرجة الأولى الحوزة
العلمية وما يوجد في هذا الكيان من التركيز على البحث الفقهي
والأصولي وما يتعلق بهذا الاتجاه من تخريج شخصيات علمائية
الغرض منها مواصلة التبليغ الإسلامي أو التخصص الحوزوي في
الدراسات العالية أو النظر للمسائل الخاصة بأمور الدين من
عبادات ومعاملات , وهذه الحقيقة لا زالت موجودة في حوزتنا
العلمية في قم والنجف .
والاتجاه الثاني وهو الاتجاه التجديدي والإبداعي الرسالي
الحركي وهو الذي يسعى إلى أسلمة الواقع وأسلمة الحياة بدليل
كون الإسلام له رسالته على الصعيد النظري والتطبيقي منذُ فجر
الرسالة المحمدية . هذا الاتجاه الذي ينظر إلى أنَّ الشريعة
دين متكامل لا يتجزأ بكافة أبعاده الثقافية والسياسية
والاجتماعية والاقتصادية الذي يستطيع أنْ يقدم الحل لكافة
المشاكل إذا قام المسلمون بأتباع الهدى القرآني والنبوي .
وقدر للواقع الإسلامي منذُ أربعينات القرن الماضي وجود شخصيات
علمائية إصلاحية تبنت الاتجاه التجديدي الحركي الذي يحاول رسم
الخطوط العامة للنظام الإسلامي ووضع الأوليات المهمة للمشاريع
التي تسعى بالنهوض بهذا الواقع الذي أصابه التصدع والشقاق بسبب
عوامل متعددة أهمها الاستعمار لهذه الدول الإسلامية فكانت
ملامح هذا النهوض ظهرت عند السيد محسن الأمين والسيد محسن
الحكيم والسيد عبد الحسين شرف الدين والسيد البروجردي والشيخ
المظفر والإمام الخميني والشهيدين الصدر ين و علي شريعتي
والسيد موسى الصدر والسيد فضل الله .. وغيرهم .
والظروف التي عاش فيها السيد فضل الله والتي مثلت بداية الحركة
الإسلامية في العراق على وجه الخصوص كانت لها أسبابها المتنوعة
وعلى رأسها المد الأحمر الشيوعي الذي استهدف الساحة الإسلامية
عمومًا فكان الجيل المعاصر للسيد فضل الله من تبنى التحرك
الإسلامي في مقابل المعسكر الشرقي والغربي بسياساته التدميرية
للمسلمين فكيف كانت الرحلة ؟ وما هي الأبعادالأساسية لشخصية
العلامة المرجع الراحل السيد فضل الله في كل هذا التحرك
الإسلامي ؟!
السيد فضل الله نجفيًا :
ولد السيد فضل الله في النجف الأشرف وبدأ دراسته الحوزوية على
يد والده السيد عبدالرؤوف فضل لله مبكرًا في سن العاشرة وكان
أستاذه الأول وتتلمذ عليه فيما يسمى المقدمات والسطوح في الفقه
والأصول في الكتب العالية , ثم بدأ يحضر درس السيد الخؤئي
والسيد محسن الحكيم والشيخ حسين الحلي في علمي الأصول والفقه
وغيرهم , كما أنه درس الفلسفة على يد أستاذ الفلسفة في النجف
الشيخ صدرا الباركوبي , فانفتح على الجو العلمي النجفي المكثف
دراسيًا بحيث اعتمد الأسلوب الرائج في الدرس والتدريس في
الحوزة والذي يساعد الطالب في التحصيل العلمي .
إضافة إلى ذلك انفتح السيد فضل الله منذ بداياته على الجو
الأدبي الذي تميزت به النجف وبالأخص الشعر فالنجف كانت تتميز
حينها بشعر المناسبات والأخوانيات وتخرج منها شعراء مبدعون
كالسيد محمد سعيد الحبوبي وعلي الشرقي والجواهري ومصطفى جمال
الدين وغيرهم مما جعل الجو النجفي له بصماته حتى على بعض
الشعراء المعاصرين كالسياب وغيرهم هذامما دفع السيد للدخول إلى
هذا الميدان بمحاولات شعرية ومشاركات في الندوات الأدبية .
السيد فضل الله مثقفًا :
انفتح السيد فضل الله منذ بدايات شبابه على الثقافة الموجودة
في النجف وخارجها فكان يطالع المجلات المصرية كالكتاب لعادل
الغضبان والكاتب المصري لصه حسين والرسالة لأحمد حسن الزيات
والثقافة ولم يقتصر على ذلك بل قرأ الترجمات لبعض الغربين مثل
: أناتول فرانس ولامارتين مما يمثل خروجًا عن المألوف لدى
الطالب الحوزوي وكان هو مع مجموعة من رفقائه يتداولون هذه
المجلات بطريقة أشبه بالسرية ابتعادًا عن التقريع الحوزوي الذي
كان يلاحق الثقافة الواردة إلى النجف كمقص الرقيب باعتبارها
نقلاً للفكر الغربي المعادي للإسلام وخروجًا عما يناط بالطالب
الحوزوي من انشغال بما لا فائدة فيه .
السيد فضل الله سياسيًا :
الواقع السياسي العراقي والإسلامي في أواخر الأربعينات كان
يتطلب الإحساس بمواجهة الظروف السياسية والاتجاهات المتنوعة
المعارضة في الحكم في العراق وكانت تتمثل القوميين
والديمقراطيين والماركسيين والإسلاميين فعاش السيد فضل الله
أجواء المظاهرات والنشاط السياسي الذي تمثل في التفكير في
الإسلام الحركي مع مجموعة من الزملاء والأصدقاء أيام الدراسة .
والسيد فضل الله لم ينتمي إلى الأحزاب الموجودة آنذاك كحزب
الإخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامي أنما عاش التوتر
كجيل منفتح على الواقع الإسلامي وقضاياه الرئيسة فتأثر
بالأحداث السياسية كثورة مصر على أساس أنها عربية وكتب مقالاً
مفصلاً عنها قي إحدى افتتاحيات إحدى المجلات .وراقب حركة
الانقلابات في الشارع العربي وما أحدثته من تنوع في التيارات
السياسية و محاولة الاستبداد بالسلطة .
ولفلسطين التأثر الأكبر في متابعة القضية المركزية للعرب
وللمسلمين منذ ولادة إسرائيل وبدايات المشروع الصهيوني في
المنطقة .
وعاش السيد فضل الله بدايات الحركة الإسلامية في العراق بقيادة
السيد الشهيد الصدر في مواجهة الماركسيين عبر جماعة العلماء
وذلك في مجلة الأضواء النجفية التي كان السيد الشهيد الصدر
يكتب الافتتاحية الأولى بعنوان ( رسالتنا ) والسيد فضل الله
بعنوان ( كلمتنا )
واستمر السيد فضل الله في إرساء معالم الحركة الإسلامية في
العراق حتى مغادرة النجف إلى لبنان حيث قال حينها الشهيد الصدر
مقولته المشهورة ( كل من خرج من النجف خسر النجف إلاَّ السيد
فضل الله فإنه خرج من النجف وخسره النجف )
السيد فضل الله لبنانيًا :
(( اختار السيد أن يبدأ خطواته الأولى ( 1 ) في المشوار الطويل
من "وكر الدبابير"، من منطقة "النبعة"، ذات الأغلبية الشيعية
الفقيرة، والتي تقع جغرافياً على تخوم مناطق من طوائف أخرى
تختلف عنها بالعقيدة والتقاليد ومستوى المعيشة.
أصرّ سماحته منذ البداية على إقامة صلاة الجماعة في المسجد
الصغير الذي بدأ يجد له أنصاراً يدعمونه ببعض المعونات (التبرّعات)
التي كانت في يد الله تنمو، فيتّسع معها المسجد ليصبح مركزاً
ثقافياً اجتماعياً يضمُّ إليه حوزةً علمية ومكتبة عامة وقاعة
محاضرات وصفوف تدريس ومستوصفاً خيرياً وأسرة إسلامية جنينية هي
"أسرة التآخي".
وسرعان ما لفت سماحة السيد نظر الشباب المسلم في تلك المنطقة،
وبدأت محاضرات سماحته تتحوّل إلى حديث الناس في المجالس الخاصة
والعامة، فأخذت أفئدة من الشباب الطالع تهوي إليه وتتحلّق حوله
في المسجد الذي ضمّ العصبة الأولى من الشريحة الشابة التي
لفتها الإسلام..
اشتغل سماحة السيد من مركزه في النبعة على خطين؛ الأول رعاية
شؤون العامة من الناس، وتصويب اعتقاداتهم وتمتين ثقتهم
بعقائدهم ودينهم، وحثّهم على المثابرة على القيام بالتزاماتهم
الدينية دون خوف من تهويلات العقائد الحزبية ذات السطوة في
حينه.. وعلى خطٍّ آخر، عمل سماحته على إعداد شريحة شابة في
ريعانها الأول، من خلال برنامج متكامل من المحاضرات التي
تناولت شتى صنوف المعرفة الإسلامية المركّزة.. وعلى هذا الخطّ،
عمل سماحته على إعداد مجموعة من طلاّب العلوم الدينية بحسب
المنهاج الحوزوي المتّبع في الحوزات الكبرى.
هؤلاء الشباب الذين اهتدوا إلى إسلام يدفعهم إلى لجّة الحياة
بدل الانعزال عنها، أغراهم أسلوب سماحته في التعمّق فيه بشكل
مكثّف، وأصبحوا في وقتٍ قصير فريقاً متماسكاً ينتهج أسلوب
الدعوة إلى الله، ويجاهر بالتزامه بالإسلام الحركي الذي واجه
التحدي الكبير في حينه، واستطاع أن يصمد أمام رياح التغريب
والتشريق العاتية في آن، وأن يمتد في مرحلة لاحقة ليشمل مناطق
جديدة من لبنان، فمن النبعة إلى المحيط ـ الدكوانه ـ ومنه إلى
مدينة بيروت، كان صوت الإسلام يصدح من خلال أشرطة التسجيل
والمحاضرات المركّزة لسماحته في كامل مناطق تواجد المسلمين في
لبنان، وبالأخص في منطقتي الجنوب والبقاع.
كان واضحاً أمام سماحة السيد رضوان الله عليه منذ اللحظة
الأولى لمجيئه إلى لبنان، أنه لا بد من العمل للإسلام في إطار
مشروع متكامل، وأن العدّة التي لا بدّ من مباشرة العمل بها هي
الإخلاص والإصرار والمزيد من الصبر على المكاره، وقد أعان
سماحته على استيعاب صعوبات العمل في الساحة اللبنانية، ما
أكسبته إيّاه الساحة العراقية من خبرة، وهي ساحة تتمتع بالغنى
في جميع مجالاتها، حيث كانت الأنشطة التي زاولها في مناطق
شاسعة من العراق، والتي انفتح فيها على شرائحها الشعبية
والثقافية والاجتماعية المتنوعة تأثراً وتأثيراً، كانت له عوناً
وخبرةً على معالجة ساحة هي في غاية التعقيد كالساحة اللبنانية..
حين حضر سماحة السيِّد موسى الصدر إلى لبنان، وأراد أن يباشر
حركته السياسية، كان سماحة السيِّد قد أهّل نخبةً كبيرةً من
الشباب كانوا نواة العمل السياسي الإسلامي الذي انطلق في تلك
المرحلة.. ومع ذلك، فإن سماحته أراد أن يبقي على المشروع
الفكري الإسلامي حاكماً للمشاريع الأخرى، باعتبار أن العمل
الفكري الإسلامي العام يمكن أن يشكّل خيمة كبيرة لكل المشاريع
الأخرى، وأيضاً الرافد الأساسي لكل المشاريع المتصلة بالإسلام
على صعده السياسية والاجتماعية المتنوّعة.
والأحداث الأمنية التي عصفت بلبنان مع مطلع العام 1975م، وضعت
مشروع سماحته التوعوي الفكري أمام تحدٍّ من نوع آخر. ولوهلة،
أحسّ الجميع أن الأمور ستعود إلى نقطة البداية، إلى نقطة الصفر،
خاصة بعد أن وقعت النبعة، حيث المركز الإسلامي لسماحة السيد
وقاعدة نشاطه، في أيدي فريق لبناني كان يقاتل فريقاً آخر يمسك
أمنياً بتلك المنطقة..
لكن شخصية السيد الديناميكية الحركية الفاعلة، ما كانت لتستسلم
لمنطق الحرب وحصارها، فكان أن أصبح محور الاستقطاب حيث يكون
سماحته، فعاد يتحلق حوله الشباب الحركي ويفتحون معاً ثغرة
كبيرة في جدار الحرب، انطلقوا عبرها إلى جميع المناطق
الإسلامية، إلى أن كانت المحطة التالية بعد الهدوء النسبي
للأوضاع الأمنية في لبنان، في منطقة شعبية شبيهة بالنبعة هي "حي
السلم"، في ضاحية بيروت الجنوبية، التي أخذ النازحون يتجمعون
فيها قادمين من المناطق اللبنانية التي حالت الأوضاع الأمنية
فيها دون استقرار أوضاعها بشكل مريح ومقبول..
من الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت انطلق نوع آخر من
نشاط السيد، ومستوى آخر من العمل الإسلامي الحركي المتميِّز
كماً ونوعاً، إذ بعد مرور ما يقرب من السنتين على الحرب التي
عصفت بأربع رياح لبنان، بدأت الأحزاب العلمانية تفقد مصداقيتها
العقائدية والسياسية، وبدأ الشباب اللبناني يفقد الثقة بها
ويبتعد عنها بشكل كبير، وانهار الهيكل الطوباوي من حولها،
فأخذت تدخل في إطار الحركة التي بدأها سماحته، وأسسها على
الخير والتقوى، أفواجاً تسبِّح بحمد ربها وتستغفره على ما
اقترفته من آثام بعيداً عن الإسلام الأصيل وعن علماء أثبتوا
بحق مصداقيةً وثباتاً لم يعهدوا له مثيلاً عند معظم قيادات
الساحة اللبنانية.
شكّلت هذه العودة المكثفة للشباب المسلم إلى حضن الإسلام تحت
رعاية سماحة السيد، عامل استفزاز كبير للأحزاب القومية
والعلمانية في المناطق اللبنانية. ولا بد من الإشارة هنا، إلى
أن عدداً من هذه الأحزاب والتنظيمات قد استقوى على التيار
الإسلامي الذي بدأ عوده يصلب، فكان أن حدثت عدة محاولات
لاغتيال سماحته، إحداها بقذيفة مدفع أصابت غرفة نومه، حيث كان
يسكن في منطقة الغبيري بعد انتقاله من مسكنه السابق، إضافةً
إلى محاولات اغتيال أخرى جرت على الطريق التي كان يسلكها
سماحته إلى درس تفسير قرآني في منطقة الشياح، وأخرى على الطريق
التي كان يسلكها إلى خطبة يوم الجمعة في بئر العبد.
لم تنل هذه المحاولات الفاشلة من عزيمة سماحة السيد، وكان لسان
حاله دائماً "إنني قد نذرت نفسي للإسلام ولا عودة إلى الوراء
حتى لو أدى ذلك إلى استشهادي.. ونحن قوم الموت في عُرفِنا عادة
وكرامتنا من الله الشهادة". ولكن، وأمام إلحاح المؤمنين
الطيبين والشباب المتديّن الواعي الحركي، انتقل سماحته للسكن
في منطقة بئر العبد، خاصة بعد أن طلب إليه والده المقدس آية
الله السيد عبد الرؤوف فضل الله ذلك، لأن انتقاله من منطقة
تشكل خطراً أكيداً عليه إلى منطقة أكثر أمناً يُعَدّ تكليفاً
شرعياً وليس خياراً نضالياً..
ومنذ تلك المرحلة، رعى سماحة السيد نشوء عدد من الجمعيات
والمؤسسات الإسلامية الشبابية والطلابية، ودعمها معنوياً
وفكرياً بكل ما أمكنه، فكان معظم الشباب الحركي المتدين في
حركة أمل والاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين، وفيما بعد جمعيات
إسلامية أخرى، يتدارسون على فكره ومحاضراته، وكان عدد كبير من
الذين اختاروا الدراسة الحوزوية يتتلمذون عليه في معهد شرعي ـ
أسّسه في منطقة النبعة كما أسلفنا ـ وفي منـزله وبشكل يومي..
ولم يكن سماحته ليقاطع دعوة توجه إليه يلقي فيها محاضرة فكرية
أو درساً عقائدياً أو ندوة تفسير قرآن، بل أكثر من ذلك، كان
معظم هؤلاء الشباب الحركي الواعي يتحلّق حول سماحته في المسجد
الذي كان خلية روحية رائعة في رحاب دعاء كميل، الذي استمرّ
سماحته في ترداده بصوته الشجيّ إلى وقت متأخر قبل أن تلمّ به
الوعكة الصحية المؤسفة.
عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كانت الكتلة الشابة
من المتدينين الحركيين قد بلغت شأناً لا يستهان به، خاصة وأن
هذه الكتلة التي نشأت وترعرعت في كنف سماحته، شكّلت النواة
الأولى لهيئة دعم الثورة الإسلامية في إيران، حيث كان سماحته
أول من دعا إلى التعاطف مع شعاراتها، وإلى ضرورة التفاعل مع
قياداتها، وعلى رأسهم الإمام الخميني(قده)، دون تحفظات،
باعتبارها البشارة والشرارة التي يمكن أن تتشكل على أساسها
الجمهورية الإسلامية التي كانت محطّ تطلّع وآمال العلماء
والشباب الحركيين في لبنان والعالم.
وأخذ سماحة السيد على عاتقه التنظير للاستراتيجيات الإسلامية
للثورة، والتفاعل المنتج مع قياداتها، كما قام سماحته في هذا
السياق بتلبية العديد من الدعوات التي وجهت إليه من قيادات
الثورة الإسلامية، حيث كانت هذه اللقاءات مناسبات مثلى للتداول
بشؤون الإسلام والمسلمين، وتدارس الخطط الكبرى للمشروع
الإسلامي الذي راح يأخذ أبعاداً مميزة له انطلاقاً من
الجمهورية الإسلامية في إيران. وقد شارك سماحته في مؤتمرات
عديدة كانت تعقد في أنحاء مختلفة من العالم، في أمريكا وأوروبا
وشرق آسيا وغيرها.
مع بداية الاجتياح الصهيوني للبنان، أخذت الكوادر الشابة التي
انطلقت من مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد تتوافد زرافاتٍ
ووحداناً لتنال توجيهات سماحته بالنسبة للمهمّات الجهادية في
مواجهة القوات الصهيونية الغازية.. وفي حين كانت دعواتٌ في
لبنان تنحو منحى إعطاء هوية المواجهة مع العدوّ صفة "المدنية"،
كان سماحته على قناعة تامة بأن المقاومة المسلحة هي السبيل
الوحيد والمثالي لمقارعة عدوٍّ لئيم لا يفهم إلا لغة القوة.
وعلى قاعدة أن سماحة السيد هو مرشد مجموعات الشباب التي انبرت
للمقاومة والجهاد والاستشهاد في سبيل الله، ولغاية دحر العدو
وقواته من المناطق اللبنانية المحتلة، بدأت أجهزة الاستخبارات
المحلية والإقليمية والدولية، وعلى رأسها الـ(سي.آي.إيه)،
التخطيط لاغتيال رأس الحالة الإسلامية الجهادية في لبنان، وأخذ
القرار، ووضعت سيّارة مفخّخة بجوار منـزله في بئر العبد ذهب
ضحيتها ما يزيد على المئة والخمسين بين قتيل وجريح، معظمهم من
الأطفال والنساء والشيوخ، وقد أدلى بهذه المعلومات "وليم
كايسي" رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية آنذاك، ونشرت في جريدة
الواشنطن بوست.
قبل محاولة الاغتيال الآثمة والفاشلة، تحوّل منـزل سماحة السيد
فضل الله إلى محجة لكل وسائل الإعلام العالمية والإقليمية
والمحلية، تتسابق لمقابلة سماحته كونه الشخصية المركزية في
لبنان التي تملك القول الفصل في جملة القضايا الساخنة على
الساحة اللبنانية. وجدير بالذكر، أن هذه الهجمة الإعلامية
العالمية على سماحة السيد، كانت تجري في وقت عمدت الدول
الاستكبارية جميعها إلى إنشاء مراكز الدراسات المتخصصة لدراسة
الإسلام الحركي، وكانت تحتاج إلى شخصية إسلامية قيادية مميزة
تستطيع من خلالها أن تتعرف الإسلام الحركي ـ المقاوم الفاعل،
الذي بدأ يصبح حديث الناس في الشرق والغرب.
وكان سماحة السيد مصدراً أساسياً للتعرف على الإسلام الحركي
الذي بدأت أصداؤه تتردّد في طول العالم الإنساني وعرضه.. وهنا،
لا نغفل عن ضميمة أخرى كان يضمرها بعض الإعلاميون الذين
توافدوا من أكثر من دولة غربيّة؛ إذ كان العديد منهم مرتبطاً
بأجهزة استخبارات دولية.. وربما كانوا يعتقدون قبل محاولة
الاغتيال الفاشلة، أنهم سيكون لهم سبق بنشر آخر ما تحدث به
السيد قبل رحيله!!
في هذه الأثناء، انفتحت خطوط التواصل بين سماحة السيد وكبريات
الحركات الإسلامية العالمية سنيّها وشيعيّها، وبات فكر السيِّد
وتوجّهاته وإرشاداته السياسية والاستراتيجية، مناهج تتداولها
قيادات وكوادر التيارات الإسلامية في العالم، خاصةً بعد أن
حالت الهجمة الاستكبارية والاستخباراتية على سماحة السيد دون
سفره إلى دول العالم الإسلامي والغربي، فأصبح هذا التواصل يتمّ
عبر الزيارات المباشرة إلى سماحته من شتى أقطار العالم، وعبر
متابعة أخباره وأفكاره ومقابلاته في الصحف والمجلات ومختلف
الوسائل الإعلامية الأخرى ))
السيد فضل الله مؤلفًا :
ترك السيد فضل الله مكتبة متنوعة موسوعية في مجالات عديدة
وأهمها الكتاب الإسلامي بحيث تميز السيد فضل الله بأنَّ
كتاباته أغلبها إسلامية وكان أول باكورة أعماله ( أسلوب الدعوة
في القرآن ) وكما أنَّ السيد الشهيد الصدر قدس سره أغنى
المكتبة الإسلامية بمؤلفات عالجت الحالة الإسلامية , كان السيد
فضل الله من أول من تخصص في الكتابة الموضوعية لعناوين قرآنية
وكتابه ( الحوار في القرآن ) لعله أفضل الكتب التي عالجت
موضوعة الحوار القرآني وكانت كتبه الأخرى هي الرافد للحركة
الإسلامية ككتاب ( خطوات على طريق الإسلام ) و ( الإسلام ومنطق
القوة ) و ( الحركة الإسلامية هموم وقضايا ) وغيرها التي رسمت
الاستراتيجيات النظرية والتطبيقية للحركات الإسلامية منذ
السبعينات .
هذا إلى المحاضرات التي كان يلقيها في مختلف دول العالم
الإسلامي وفي المهجر الأوربي وبلاد الغرب , ولعل الخاصية التي
تميز هذه الندوات أنها كان حلقة للتواصل بين سماحته والشباب
المسلم , كما أنه تميز أثناء ممارسته للمرجعية بأسلوب الندوات
الأسبوعية والتي جمعت حتى الآن في عشرين مجلدًا بعنوان (
الندوة )
و مؤلفات السيد فضل الله عند مراجعتها تحتوي حقول متنوعة من
الكتب الفقهية والإسلامية والندوات والمحاضرات والقرآنيات
والدعاء وسيرة أهل البيت ودنيا المجتمع , وهي دليل على الثقافة
الموسوعية لسماحة السيد فضل الله .
السيد فضل الله شاعرًا :
الجو النجفي بعراقته وبشعراء هذا الجو كان للسيد فضل الله نصيب
منه فهو كتب الشعر في سن مبكرة وله قصيدة تتحدث عن الوحدة
الإسلامية ألقاها في أول زيارة له إلى لبنان عام 1952 م وكان
في سن السادسة عشرة في تأبين السيد محسن الأمين لفت انتباه
الحاضرين يقول فيها :
والدين وهو عقيدة شعت على أفق الوجود
ومبادئ توحي لنا روح التضامن والصمود
وتميز اللون الشعري عند السيد فضل الله بالشعر العمودي المحافظ
على الوزن والمجدد في المضمون أو في شعر التفعيلة التي دخل
السيد مضماره ولو أكثر فيه لكان من رواده و دوواينه الثلاثة :
( على شاطئ الوجدان ) ( وقصائد للإسلام والحياة ) و ( رباعيات
يا ظلال الإسلام ) .
ولكن الأمر المهم بأنَّ السيد فضل الله كان من الشعراء
الملتزمين في كتاباتهم الشعرية وهو المؤسس للأدب الرسالي
الإسلامي الملتزم فكانت قصائده لها طابعها الإسلامي الذي يجسد
شخصيته الرسالية , وقبل رحيله صدر ديوانه الرابع الذي يكثف
لسنوات عمره الأخيرة والذي اسماه ( في دروب السبعين ) ليكون
نقلة نوعية في شعره من جهة الفلسفة والعشق والعرفان والتجربة
الذاتية .
السيد فضل الله مبدعًا :
الإبداع سمة المفكرين اللامعين والسيد فضل الله على ما يعرف
عنه في الوسط الإسلامي أنه : ( شخصية ذات ذكاء مفرط ) تميز
بكونه أحد المفكرين في العالم الإسلامي وصاحب نظريات إبداعية
ومشاريع تجديدية سواء في الحقل التخصصي الفقهي الأصولي أو في
الدراسات القرآنية أو في مجال الحركة الإسلامية , وهذا التراث
الموسوعي الذي تركه يدلل على ما لهذه الشخصية من سمات النبوغ
والإبداع فمشروع المرجعية المؤسسية والتي أخضعها للتطبيق
العملي وتركت بصماتها كعلامة فارقة بين السيد فضل الله وغيره
من المراجع خير شاهد , والاستراتيجيات الفكرية التي رسمها
لحركات التحرر في العالم الإسلامي ودعم المقاومة الإسلامية
ورفدها بمختلف الأفكار جعلته ( المرشد الفكري والروحي ) لها
بحيث كان الداعم الأول لقضايا المسلمين الرئيسة وفي مقدمتها
القضية الفلسطينية .
السيد فضل الله مفسرًا :
خاض السيد فضل الله مجال التفسير القرآني كمفسرًا للقرآن وكانت
محاضراته ودروسه الأسبوعية هي اللبنة والمدماك لتفسيره الموسوم
( من وحي القرآن ) الذي يجمع بين طياته أربعة وعشرين مجلدًا
بعد إعادة طبعه وهو فريد في بابه حيث عمد السيد ـ قدس سره ـ
إلى الاستفادة من التفاسير السابقة في صياغة تفسير حديث منفتح
على الحياة يحاول أنْ يستوحي القرآن الكريم في الجانب الحركي
الإسلامي الذي يعيش الواقع وهو يمثل المنظومة الفكرية التي
تعمل على استعمال الأساليب المعاصرة ومخاطبة الجيل الحاضر بما
يناسبه من الثقافة القرآنية في حسن الأسلوب وصياغة الفكرة
ومعالجة المشاكل في الواقع الإسلامي عبر اسيحاء الخطوط الرئيسة
من القرآن , ولقد كان هذا التفسير ولا يزال المنارة التي ترافق
الدعاة والحركيين كما اشتهرت مقولة السيد فضل الله ( القرآن لا
يفهمه إلاَّ الحركيون ) .
السيد فضل الله خطيبًا :
من مسجد الإمام الرضا عليه السلام إلى مسجد الإماميين الحسنيين
عليهما السلام همزة وصل وحب لسماحة السيد فضل الله .
بدأ السيد الراحل بمجرد وصوله لبنان بتأسيس المعهد الشرعي
كحوزة علمية وكانت الحركة العبادية السياسية من مسجدالإمام
الرضا الذي كان يلقي فيه المحاضرات وخطب الجمعة .
الجمعة عند السيد فضل الله منبر ومحراب منبر وعظ وإرشاد وتوجيه
وبناء وحركة وإرتقاء وصلاة خشوع وعرفان وتواصل مع الله تعالى .
المسجد الذي فهمه السيد كما هو على عهد الرسول الأكرم ( ص )
مركز التحرك للمسلمين في كافة أمور معاشهم ومعادهم , ولذلك وعى
السيد فضل الله دور المسجد في الإسلام بأنه المحرك للناس
وللجماهير وهذا التجمع المبارك قام به على أفضل ما يكون في
تدريب الشباب المجاهدين وفي إعدادهم ببرامج تربوية وروحية .
الجيل الأول من المقاومة الإسلامية خضع للدرورات التدريسية
الفكرية كالسيد عباس الموسوي والشيخ راغب حرب وسيد المقاومة ,
ولقد كان منبر سماحته المنارة التي تنير للمجاهدين دورب العطاء
والجهاد .
والأحداث الصعبة التي مر بها لبنان كان لها الأثر الكبير في
انتقال السيد إلى الضاحية الجنوبية لتكون آخر مطاف السيد
الراحل .
مسجد الأمامين الحسنين معلم واضح من معالم الضاحية الجنوبية
ومحج هام للمقاوميين والسياسيين والشخصيات الفكرية والعلمية .
تميز السيد الراحل بخطبة صلاة الجمعة ودورها العبادي والسياسي
فكانت خطبته الأولى العبادية والثانية السياسية , في كل مرة
تسمع فيها صوت السيد العظيم وهو يخطب في المصلين يرسم لهم
الموقف الأسبوعي من مختلف قضايا الأمة من العراق وفلسطين إلى
لبنان بصمة جميلة وصوت وهيبة كانت لهذا المسجد المبارك.
السيد فضل الله إنسانيًا :
آمن السيد فضل الله بالإنسان وكرامته استيحاءً بقوله تعالى (
ولقد كرمنا بني آدم ...) فكان الإنسان الإنسان .
فتواه الشهيرة بـ ( طهارة كل إنسان ) والتي مثلت خروجًا على
المألوف الفقهي ورؤية شمولية للإنسان بما هو إنسان تعيد لنا
مقولة أمير المؤمنين عليه السلام ( إمَّا أخٌ لكَ في الدين أو
نظيرٌ لكَ في الخلقة ) .
أساس النظرة الإنسانية عنده العدل والحرية والحق لهذا الإنسان
مهما كانت المذاهب والمشارب التي ينتمي إليها. كانت الحرية هي
المحرك للسيد فضل الله في الوقوف مع المستضعفين ضد المستكبرين
وكانت القضايا الأساسية هي المحور لهذا الإنسان .
وأكثر من التقى به كان ينصهر في كلامه معه لأنه الشخص الذي
يحترم كل إنسان مهما اختلف معه أو اتفق ولذلك أصبحت له تلك
الشخصية التي تخطت العالم العربي والإسلامي لتقف في مصاف
الشخصيات العالمية التي تفد إليها من كل الأجناس والأطياف .
السيد فضل الله وحدويًا :
الوحدة الإسلامية إحدى الهموم والقضايا الإسلامية التي نذر لها
حياته فكانت كتاباته ومؤلفاته تركز عليها فمن ( قضايا على ضوء
الإسلام ) و ( أحاديث في قضايا الاختلاف و الوحدة ) و ( مع
الحكمة في خط الإسلام ) إلى كتب الحوار المتنوعة تجد السيد
الراحل يركز على هذه المسألة .
ولم يقتصر السيد الراحل في بيان أهمية الوحدة الإسلامية على
المستوى النظري وإنما عمل على المستوى العملي عبر المحاضرات
والندوات والمؤتمرات الفكرية لكي يؤسس إلى ثقافة التعايش
والوحدة في الوطن وفي المعتقد والدين والمذهب , بل تجاوز إلى
مستوى الفتوى في قضايا كان السيد صاحب جرأة في الخوض فيها
لصالح الوحدة الإسلامية .
والتشخيص الدقيق عنده لحجم التحديات التي تواجه الإسلام بشكل
عام جعلته الرائد الأول لهذه الوحدة التي تنير الدرب لكافة
طاقات الأمة الإسلامية وجميع الحركات الإسلامية فكان الشعار ((
نعم نعم للوحدة ))
هذه الوحدة التي جعلته يتنازل عن كثير من المتاعب والهموم التي
سببها من اختلفوا معه , وشنوا ضده حملات التضليل والتفسيق
والتكفير وكان شعاره في تلك المتاعب استيحاءً لمنهج النبي
الأكرم محمد ( ص )( اللهم اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون ).
السيد فضل الله حواريًا :
سيد الحوار أنتَ يا فضل الله , وهذه الحقيقة يشهد بها كل من
استمع أو التقى السيد سواء في مقابلة صحفية أو تلفازية أو في
ندوة أو مؤتمر أو لقاء .
( في البدء كانت الكلمة ) و( الحقيقة بنت الحوار ) و ( لا مقدس
في الحوار ) و ( الحوار بالتي أحسن ) .
كلها تحفر ذكريات السيد ـ قدس سره ـ مع الآخر أيًا كان الآخر
مسلمًا أم مسيحيًا سنيًا أم شيعيًا عاديًا أم مثقفًا .
المنهج الذي رسمه في حياته وسار عليه حتى اللحظات الأخيرة أنَّ
الاختلاف سنة طبيعية في الحياة ولكن الحوار هو العلاج الأوحد .
كل قضايا المسلمين لا تحل إلاَّ بالحوار فكان ( الحوار في
القرآن ) وكان ( الحوار الإسلامي المسيحي ) خير تراث له .
يعتبر السيد الراحل هو المخطط والمؤسس لثقافة الحوار مع الذات
والآخر فكان الحوار معه لها مجالاته المتنوعة الحوار الديني
والحوار الثقافي والحوار الفكري والحوار الساسي والحوار
العالمي .
السيد فضل الله رساليًا :
أنْ تكون صاحب رسالة يعني أنْ تعمل للرسالة لا للذات .
ما أعظمك يا سيدي وأنت كما قيل فيك : (( طبيب دوار )) رسالتك
المحبة والسمو بالذات نحو تحقيق الأهداف العليا وتحقيق الإسلام
كله .
ما يميزك عن سواك أنَّك مرجع رسالي لكَ رسالتك التي طرحتها لكل
الأحبة وهي لا تختصر وجودك فهي ( الكلمة الباقية ) .
لأنَّك يا سيدي تعيش الرسالات كما هي ولأنَّك أحببت العمل
أولاً ولأنَّك لم تفكر بشيء اسمه الراحة والفراغ كانت هذه
الإضاءة من فكرك النير .
رسالتك يا سيدي معنونة بـ ( استودعكم الله ) والله الله في
الأيتام فيا ( أبا الأيتام ) إليك َ سلام وإليكَ الشوق لأنَّك
حاضر معنا فكرًا وروحًا وأنْ غيبت جسدًُا .
أبا علي نم قرير العين عند جدك المصطفى وعند أمكَ الزهراء وعند
آبائك الطاهرين فنحن استلمنا الوصية ونحن سائرون في خطاك .
الصلاة الصلاة .. الأيتام الأيتام .. القضية القضية .. الإسلام
الإسلام .
وهل هناك يا أبا علي شيء آخر ؟!
نعم نعم نعم ...
فلسطين.. فلسطين ..فلسطين
أنا لن أرتاح .. لن أرتاح ..لن أرتاح
حتى تسقط إسرائيل
هنيئًا لكَ الرضوان
ـــــــــــ :
( 1 ) فقرة السيد فضل الله لبنانيًا تقرير صادر عن قناة المنار
, وائل كركي 4 /7/2010, ذكرى رحيل السيد فضل الله .
بقلم : بشير جعفرآل جساس , القطيف
|
|